كتاب وأراء

طرطوس والبحارة الروس (2)

وقتها كان الانقسام بين المعسكر الشرقي والآخر الغربي في العالم على أشده، كل الحركات أو الثورات التي قامت في الوطن العربي كانت منحازة إلى المعسكر الشرقي باعتباره معسكر البروليتاريا واليسار التقدمي المضاد لليمين الرجعي الرأسمالي، كان الانتماء لليسار موضة ذلك العصر، وليس غريباً أن كل تلك الثورات التي قامت وقتها في بلاد العرب كانت انقلابات عسكرية، استلم العسكر بعدها الحكم ولم يتركوه حتى الآن، دعم الاتحاد السوفياتي الحركات الانقلابية العسكرية العربية، ووضع ثقله لإيصالها إلى الحكم، وبالمقابل تبنى القائمون على الانقلابات النموذج الشيوعي في الحكم من حيث كونه حكماً توتاليتارياً عسكرياً أمنياً قمعياً، أما عن تطبيق النظرية الماركسية في المجتمعات العربية فكانت ذريعتهم أنها لا تتناسب مع ثقافة مجتمعاتنا العربية! كان لسوريا النصيب الأكبر من الدعم السوفياتي لحكم العسكر فيها، عرف حافظ الأسد لاحقاً كيف يقيم تحالفاً قوياً مع السوفيات، الذين كانوا متنبهين إلى ميناء طرطوس الصغير الذي تحول بزمن قصير إلى ما يشبه الميناء العسكري لهم، قبل أن ينشئ الاتحاد السوفياتي قاعدة بحرية عسكرية له في مدينة طرطوس، لتكون القاعدة العسكرية الوحيدة له في شرق المتوسط، البحارة الروس الذين كانوا يملؤون مدينة طرطوس كل شهر تقريباً كانوا تابعين للبحرية العسكرية الروسية التي كانت تنشئ القاعدة، مع الوقت بدأ يقل تواجد البحارة الروس في قلب المدينة، مكتفين بوجودهم في القاعدة، وبعلاقاتهم مع الموظفين من أهل البلد الذين يعملون في منشآت مجاورة للقاعدة العسكرية الروسية.
إذا تعود علاقة الروس بمدينة طرطوس إلى أيام الاتحاد السوفياتي، أو ربما من الأصح القول إن علاقة الجيش السوري بالاتحاد السوفياتي قديمة جداً، فخبرات الجيش السوري برمتها مستقاة من هناك، كان الاتحاد السوفياتي يستقبل أفواجاً من العسكر السوريين لتدريبهم ومنحهم الشهادات العسكرية، حتى أسلحة الجيش السوري كانت من الاتحاد السوفياتي، وبقي هذه التحالف قائماً حتى بعد زوال الاتحاد السوفياتي وتفككه، ضعف قليلاً لصالح إيران، منذ بداية الألفية الثانية، لكنه سرعان ما عاد أكثر قوةً مع تمكن بوتين من السيطرة التامة على الحكم في روسيا، وبعد 2011، حيث استعان نظام الأسد بإيران وروسيا للقضاء على الثورة، تمكن بوتين من جعل سوريا محمية له أو تحت وصايته بموافقة دولية واضحة، وبموافقة وترحيب المؤيدين للأسد في سوريا. قبل أيام يعلن مسؤول روسي رفيع، بعد اجتماع مع الأسد، أن روسيا ستقوم باستئجار مرفأ طرطوس لمدة 49 عاماً، والحديث هنا عن المرفأ المدني لا العسكري، مما يعني أن التواجد الروسي في سوريا سيكون مدنياً، إضافة إلى الوجود العسكري، لن نتحدث هنا عن معنى أن يؤجر رئيس دولة مرفقا مهما جداً، كميناء طرطوس، إلى دولة أخرى، فالأسد مستعد لبيع سوريا كلها مقابل بقائه في الحكم، وهو ما يحصل فعلاً، لكن يمكننا توجيه سؤال لمؤيدي الأسد، (خصوصاً منهم أهل طرطوس) عن الانتصارات التي يحتفلون بها، ألا يشعرون فعلا أنهم باتوا مذلولين ومحتلين، وأن رئيسهم ليس سوى خيال مآتة متروك مكانه برغبة الآخرين؟
بقلم: رشا عمران

رشا عمران