كتاب وأراء

«كيم» إلى روسيا.. لماذا؟

حينما احتضن منتجع كابيلا في جزيرة سينتوسا في سنغافورة أول قمة بين رئيس أميركي وزعيم كوريا الشمالية في يونيو من العام الفائت 1918 ظن كثيرون أن روسيا، على وجه الخصوص، قد أزيحت إلى الخلف، وأن العلاقة بين أميركا وكوريا الشمالية قد نجحت في القفز فوق أية دخلاء أو وسطات دولية، وأن المسائل والتعقيدات بين البلدين سوف يتيسر إيجاد الحلول الناجعة لها دون الاستعانة بآخرين، غير أن توالي قمة سنغافورا أثبتت أن الأزمات بين واشنطن وبيونج يانج باقية، وأن التعقيدات لم يتم تفكيكها، وأن شكوك كل من الطرفين في الآخر تتزايد، وأن انسحاب أي من الطرفين من هذه المباحثات الممتدة محتمل، فبعد فشل القمة الثانية بين الرئيس الأميركي والزعيم الكوري الشمالي كيم في هانوي وفتور العلاقات بين الكوريتين برز أهمية استدعاء الدور الروسي.
الإعلان عن قمة مرتقبة بين الرئيس بوتين والزعيم الكوري الشمالي يثبت عودة الدور الروسي مجددا إلى واجهة الأزمة وقضاياها المعلقة بين واشنطن وبيونج يانج، وأن بيونج يانج لم تطرق أبواب موسكو من فراغ، ولكن لأن الموقف الأميركي في المباحثات بين طرفي الأزمة مترع بالضغوط التي قد تؤدي إلى انسحاب بيونج يانج من هذه المباحثات لتعود الخلافات بين واشنطن وبيونج يانج إلى مربعها الأول.
في واقع الأمر إن استدعاء بيونج ينج للدور الروسي في الخلافات مع واشنطن سبقته اتصالات متعددة بين موسكو وبيونج يانج، ومنها تبادل الرئيس الروسي والزعيم الكوري الشمالي التهاني بمناسبة مرور 70 عاماً على العلاقات بين البلدين، ومنها أيضاً زيارة وفد برلماني روسي إلى بيونغ يانغ قبل بضعة أشهر، وتم خلال هذه الزيارة بحث العلاقات الاقتصادية والتجارية بين روسيا وكوريا الشمالية، وجملة من المشاريع الاستراتيجية، أبرزها في البنية التحتية، حيث بحث الجانبان مشروعاً لطريق سيارات بين البلدين، يربط مدينتي قازان الروسية مع تومانكانغ في كوريا الشمالية، ويكون هذا الطريق بمثابة طريق حرير جديد يخدم زيادة التبادل التجاري ويفتح العلاقات الاقتصادية بين الحلفاء الثلاثة.
وفي واقع الأمر إن روسيا ضلع رئيسي في مثلث يتكون من روسيا والصين وكوريا الشمالية، خاصة بعد تصاعد حدة التوتر بين أميركا وكوريا الشمالية على خلفية التهديدات المتقابلة نتيجة مواصلة بيونغ يانغ وقتئذ لتجاربها الصاروخية والنووية التي كانت تزعج أميركا ودول عدة في العالم، إذ تبلورت تحالفات استراتيجية بين كل من روسيا والصين وكوريا الشمالية من جانب، وأميركا واليابان وكوريا الجنوبية من جانب آخر، ما يعني أن العلاقات الروسية الكورية الشمالية ضاربة في التاريخ وساعدت على قوتها ونموها ظروف إقليمية ودولية في صارتها الموقف الغربي عموماً من كوريا الشمالية والأميركي على وجه الخصوص، لذا من الطبيعي أن تطرق بيونج يانج أبواب موسكو كلما زادت عليها الضغوط الأميركية.
وثمة من يرى أن اتجاه بيونج يانج إلى موسكو يحمل في طياته معنى مفاده أن كوريا الشمالية قد أدارت ظهرها للصين لتستعين بالصديق الروسي بمواجهة الولايات المتحدة، ولكن الزعيم الكوري الشمالي لم يدر ظهره للصين كما يظن، ولكنه اتخذ موقفاً بعيد النظر وذكياً بتوجهه إلى موسكو نظراً لأن العلاقات الاقتصادية الحالية بين الولايات المتحدة والصين مازالت مأهولة بالأزمات، ولا يرغب الزعيم الكوري الشمالي أن يتحول إلى رقم في ملف هذه الأزمات المرشحة لأن تشهد في غضون شهور قلائل مقبلة مزيداً من التعقيدات، ولهذا توجه الزعيم الكوري الشمالي إلى روسيا وليس إلى الصين.
بقلم: حبشي رشدي

حبشي رشدي