كتاب وأراء

مصر.. تعديلات دستورية أم ملكية عسكرية! - (2)

النقطة الرئيسية والتي كانت محور الجدل والنقاش هي سعي السيسي للبقاء في سدة الحكم بدون انتخابات من الأساس حتى لو كانت صورية كما حدث في المرتين الماضيتين حيث تم مد فترة الرئاسة الحالية والتي كان من المفترض أن تنتهي في 2022 لمدة عامين بمادة انتقالية لتستمر حتى 2024 وبأثر رجعي في سابقة تاريخية لم تحدث حتى في جمهوريات الموز.
بالإضافة لإمكانية ترشحه لفترة أخرى أي ليتمكن من البقاء في سدة الرئاسة حتى 2030 وهي نقطة هامة ولكن الأهم والأخطر منها من وجهة نظري هو إطلاق العنان ليتحكم السيسي ومنظومته في كافة مفاصل الدولة وبصورة قانونية ودستورية هذه المرة فالتعديلات الجديدة لم تأتي بجديد فالنظام الانقلابي يسير الأمور كما يريد منذ استيلائه على السلطة ولكنه يحتاج لهذه التعديلات ليضع كل هذا في ديكور يرضي الخارج وفي نفس الوقت يخرس الداخل أكثر ويخضع كافة سلطات الدولة لأهواء ورغبات النظام بشكل كامل وكله بالدستور والقانون.
ولم تنس التعديلات الجديدة أن ترضي القوات المسلحة الكيان الوحيد القادر على إزاحة السيسي طبقًا للمعطيات الحالية في ظل غياب الحراك الثوري عن الشارع فالتعديلات نصت على إن توكل للقوات المسلحة مهام صون الدستور والديمقراطية والحفاظ على المقومات الأساسية للدولة ومدنيتها -أي والله- ومكتسبات الشعب وحريات وحقوق الأفراد وأن يكون تعيين وزير الدفاع بعد موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ثم استحداث مجلس الشيوخ وهو مرادف لمجلس الشورى والذي تم الغاءه في دستور العسكر في 2014 وكأن السيسي لا يكفيه مجلس النواب ليقوم بمهمة التطبيل له وتمرير قراراته ليعيد الغرفة الثانية للبرلمان للوجود ويضيف عبء جديد على الموازنة بكيان مهمته استشارية في المقام الأول ولكنها المظاهر الكاذبة وأداة جديدة تمكن النظام من إرضاء البعض وتطويعهم عبر عضويتهم فيه حيث يحق لرئيس الجمهورية تعيين ثلث أعضاء المجلس والبالغ عددهم 180 عضوًا وهو عدد يزيد بمقدار 34 عضوًا على عدد المقاعد التي تم تقليصها في مجلس النواب حيث تنص التعديلات الجديدة على تقليص عدد أعضاءه من 596 إلى 450 عضوا، ولو أضفنا إليها منح رئيس الدولة حق تعيين رؤساء الجهات والهيئات القضائية بما فيها محكمة النقض والمحكمة الدستورية العليا والنائب العام إثر إنشاء مجلس أعلى للجهات والهيئات القضائية يقوده الرئيس وهو ما من شأنه تقويض استقلال القضاء بصورة شبه تامة ويأتي هذا مع تعديلات تقلل بدرجة كبيرة سلطة قضاة مجلس الدولة في مراجعة التشريعات قبل أن تصبح قوانين بصورة تجعل المؤسسة القضائية برمتها مجرد فرع من مؤسسة الرئاسة وليست سلطة مستقلة بحد ذاتها لا تخضع قراراتها لأهواء الجالس على كرسي الحكم، وهو نسف لما كان قد بقى من أسطورة الفصل بين السلطات الثلاث والتي كانت موجودة بشكل ما منذ تأسيس النظام الجمهوري، ثم تعيين الرئيس لنائب له أو أكثر ليضع السيسي من يثق بهم -وما أقلهم- ويتشاور معهم في مناصب رسمية بصورة علنية وبحكم الدستور.
وبالعودة لمظاهر التصويت والتي أصبح من الكلاسيكيات أثناء وبعد الانقلاب العسكري الرقص في اللجان الانتخابية وكان في السابق ولا يزال يتعمد النظام الانقلابي الحشد للتصويت حرصًا على تصدير مشهد أن هناك حياة سياسية في مصر وأن الشعب هو من يحدد ويقرر ويسلك في سبيل تحقيق هذا المشهد وصنعه طرق شتى بين الترغيب والترهيب وزاد عليها هذه المرة جمع الناس بالقوة وسوقهم للتصويت عبر قرارات تم توزيعها على كافة الوزارات والهيئات الحكومية وحذت حذوه الشركات الخاصة بضرورة الذهاب واعتبار اليوم إجازة مدفوعة الأجر وزاد عليها بأن الشرطة كانت تجمع هويات المواطنين وتجبرهم على الذهاب للجان الاقتراع للتصويت قبل إرجاعها إليهم، ثم مشهد الكراتين التي تحتوي على بعض المواد الغذائية ويتــــــم صـــــــرفها عن طريق قسيمة صرف -كوبون- يتم ختمه في لجان الاقتراع ثم صرفه من عدة أماكن تم تحديدها مسبقًا.
بقلم: جمال الهواري

جمال الهواري