كتاب وأراء

شبابُنا والتنميَة بينَ القَولِ والفِعل

الادِّعاءات لا تبني الأوطان، والكلام الذي لا يُقرَن بعمَل لا يُحرِّك ساكنًا، والإغراق في بحر الأماني والأحلام دون مُبادرةٍ وعزمٍ لتجسِيدِها على أرضِ الحقيقة، أرض الواقِع؛ هي نوعٌ من اليوغا الفاسِدَة التي لا تُفضِي إلى أيِّ شيء. وعليه فإنَّهُ مهما بلغَت مطامِع المُجتمع في استثمار شبابه لبناء نهضتِه المأمولة فإنَّها ستكونُ آمالًا خائبة الرجاء ما لَم يُؤسِّس هذا المجتمع ويدفَع بأبنائِه بشوقٍ وجِدّيَّة لتحقيقها يومًا بعد يوم، يقول المفكر الجزائري مالك بن نبي: «إنَّ الفرد لا يستطِيع تكوِين نَفسِه إلّا بشُروط معنويَّة هي الإرادَة الحضاريَّة أو العقيدَة بمعناها العامّ وشُروطٍ مادّيَّة هي الإمكانُ الحضارِي، والإرادَة سابِقَة عَلى الإمكان، لأنَّ الإرادة تتكوَّنُ في النفُوس بينَمَا الإمكانُ نتيجَةٌ تتكوَّنُ في الزَمَن».
قارئي الكريم، تُعتبَر التنميَة متراسًا تتصدَّى بِهِ الأُمم لكافَّة عوامِل التخلُّف، فمِن خِلالها تتم تحقيق أهداف التقدُّم والتحديث والتمدُّن والرُقِيّ والتطوُّر والتحضُّر، وكُل هذِهِ الأهداف تُحقِّق لهذه الأُمَم مطلب الاستقلال التام عن الامبرياليَّة الغربيَّة المُهيمنة، وبناءً على ذلك قامت الحكومات بتكثيف جهودها لتحقيق أهداف التنمية وبلوغ مطلب الاستقلال المنشود، وكان لزامًا عليها أن تُشرِك فئة الشباب في تحقيق رؤاها التنمويَّة الموضُوعَة بشكلٍ واعٍ موجَّه. وهُنا لا بُدَّ من الإشارة لموضُوعٍ هام، وهو تشخيص الأدوار التنمويَّة المنوطة التي يجِب أن تقوم بها هذه الفئة الهامة من فئات المجتمع، وذلك بهدف تنظيم قُدراتِهِم، فالفرد هو الهدف الأساسي الأبلغ للتنمية وهو كذلك الوسيلة الرئيسيَّة لتحقيقها، وبالرُّغم من أنَّ مشاركة الشباب في التنميَة هي فِعلٌ إرادِيٌّ وطَوعِيٌ حُرّ إلا أنَّها تحتاجُ إلى خريطة طريقٍ تتمكَّن فيه هذه الفئة من تجسيد أدوارها على أرض الواقِع والانتقال من مرحلة القول إلى مرحلة العمل، فالمجتمعات تحتاجُ إلى هذه التكتيكات المرسُومَة التي تحقق أهداف الرؤى والاستراتيجيات العُليا، ومِن دُونها تبقى هذه الرؤى أحلامًا ومزاعِم لا يبلُغُها الطرفان أبدًا، إلا بشَقِّ الأنفُس.
إنَّ إشراك الشباب في العملية التنموية يحتاجُ، إضافة إلى المناخ الديموقراطي، إلى وجودِ قوانين ومؤسسات تمكِّن هذه الفئة، من خلالها، ممارسة حُرياتِهِ وحُقوقَه وتسمَحُ لهُ بالمشاركة في عمليات اتخاذ القرارات وتنفيذ الخُطط والبرامج وكافة أنواع المُشاركة في تقديم الفكر والعمل والإبداع، الأمر الذي يُحتِّم وجود آذان مصغية لهذِهِ الفئة، تلتفِت إليها بعناية وتأخذ بمشورتها وآرائها بشكلٍ جادّ، فعمليات التنمية التي لا تعكس أولويات واحتياجات الشباب هي عمليات رُسمَت لمجتمعاتٍ أُخرى وهي لن تُحقق رؤاها الفعلية إذا لم تلتفِت وتعتنِي بأبنائها، أصواتهم ومطالبهم.
واقع الحال يُخبرنا أنَّ الأُمم والدويلات التي تناسَت أهمية توظيف أبنائها في تحقيق نهضتها وتنميتها؛ أفضى بهم الحال إلى ثوراتٍ لا تنتهي، هاجَ فيها دم الشباب النابض، وفي مقابل ذلك، يُخبرنا واقع الحال أنَّ فئة الشباب التي تدَّعِي المواطنة المخلصة ولا تقوم بأدوارها المنوطة هي عالةٌ كُبرى على الأوطان، ويجِب تنويرُها وتوعيتُها وتوجيهُها بالبرامج والحملات التوعوية والمناشِط المختلفة، فالتنمية ليست أقوالًا ومانشيتات كُبرى لا تُفضِي إلى عمل، ولتحقيقها يجب أن يكُون هناك تفاعُلٌ حيويٌ جادّ بين مُخططي الاستراتيجيات من خلال تمكينهم وتفعيلهم لأصوات ومطالب وأدوار الشباب في الرؤى التنموية، وبين الشباب من خلال الاقدام والتفاعُل والانفعال معًا تحقيقًا لغدٍ أفضلٍ للجميع.
}}}
في هذا المقال، أُحيي الزُملاء القائمين على مركز الإنماء الاجتماعي (نماء) على تدشينهم للنسخة الثانية من الحملة التوعويَّة (قُول وفِعل) التي تهدف لزيادة وعي الشباب برؤية قطر 2030 وتحفيز دورهم في الاسهام الفعّال تحقيقًا لأهدافِها المنوطة. وقد استخدمت الحملة التي امتدت طيلة إبريل الجاري؛ منصّات الإعلام الرقمي وعددٍ من الورش التدريبية والمُسابقات التحفيزيَّة التي نُظمت لعددٍ من طلبة المدارس القطريَّة (من المرحلة الابتدائيَّة إلى الجامعيَّة) وهدفت إلى توعيتهم وتبصِيرهم بدورهِم المنوط في تحقيق أهداف رؤية قطر 2030.
بقلم: خولة مرتضوي

خولة مرتضوي