كتاب وأراء

مظلومية النظام الكاذبة وأزمات السوريين

مرعبة الأخبار والصور التي تصل من سوريا عن وضعها الاقتصادي والاجتماعي الحالي، الشوارع فارغة تماما من السيارات والمركبات، وبدأت الأحصنة تعود إلى شوارع العاصمة والمدن الأخرى التي يسيطر عليها النظام كبديل للنقل عن السيارات،
بينما أصبحت محطات البنزين بمثابة مواقف لطوابير طويلة من السيارات الفارغة تركها أصحابها بانتظار حدوث معجزة توفر البنزين وباقي المحروقات التي تعيش سوريا حاليا بدونها، يقول لي أحد الأصدقاء في سوريا، إن دمشق تعاني من عطالة عن الحياة، كل شيء توقف فيها، العمل والتسوق والمناسبات الاجتماعية والثقافية، تم إلغاء عدة معارض تشكيلية بسبب أزمة البنزين، كما أصبحت عيادات الأطباء فارغة، فالمرضى يفضلون البقاء في منازلهم على الذهاب سيرا على الأقدام لإجراء كشف طبي في عيادة ما، أما إذا ما توفى أحد في هذا الوقت فتلك المصيبة الأكبر، لا يوجد بنزين لنقل الجثمان إلى المقبرة، ولن يشارك أحد في واجب العزاء، فلن يغامر أحد بالقليل الذي لديه من الوقود لأجل واجب العزاء، الحي أبقى من الميت.. هذا عدا عن انقطاع دائم للكهرباء، وعدا عن الغلاء الفاحش الذي يجعل من الحياة ضربا من الاستحالة.
على أن الطريف في الأمر هو استغلال إعلام النظام السوري لهذه الأزمات القاتلة لترويج نظرية أن السوريين مستعدون لتحمل هذه الأزمات في سبيل بقاء النظام قائما، ففجأة تبث فيديوهات عن حلقات الدبكة التي تعقد أثناء الانتظار الطويل للوقود، نكاية بالمؤامرة الكونية التي تضيق الخناق على سوريا، وفجأة تبث صور عن مجموعات بشرية توزع الكتب على المنتظرين، للإيحاء أن السوريين يتحدون المؤامرة بالثقافة، بعد أن تم دحر (الإرهابيين المتخلفين) هم وعائلاتهم إلى الشمال، بعيدا عن سوريا المفيدة الحضارية التي يحاول النظام وإعلامه وموالوه الترويج لها في أكبر عملية تضليل إعلامي وبروبغاندا يمارسها حتى الإعلام الغربي لتبييض صفحة النظام السوري.
أما الأهم من كل ذلك فهو رفض النظام الاعتراف أن سبب الأزمة هو الحليف الإيراني وعلاقته المتوترة الحالية مع الولايات المتحدة الأميركية، التي أعادت فرض العقوبات والحصار على إيران، ومنعت السفن الإيرانية المحملة بالنفط إلى سوريا من المرور عبر قناة السويس باتجاه البحر المتوسط، واضعة بذلك السوريين ضمن دائرة التجاذبات السياسية الدولية، فالهدف ليس النظام السوري، كما يروج هو في نظريته عن المؤامرة، الاستهداف الأميركي الحالي متوجه نحو إيران، فأميركا والمجتمع الدولي ليسوا بوارد الضغط على نظام الأسد بشيء، فهم تركوه يفعل ما فعل من جرائم بحق سوريا والسوريين دون أن يحرك أحد منهم ساكنا، ودائما كان الشعب السوري هو من يدفع الثمن، بكل فئاته وانتماءاته، ففي الأزمة الخانقة الحالية، من يدفع الأثمان الباهظة هم السوريون الذين قرروا البقاء في سوريا لأسباب مختلفة، أركان النظام السوري يعيشون في عالم منفصل عن حياة السوريين العاديين، لا تطالهم أي من الأزمات لا الماضية والحالية، ويتاجرون بمظلومية كاذبة عن المؤامرة الكونية التي يتعرض لها النظام.
المحزن هنا هو الشماتة التي يبديها كثر من السوريين الذين يعيشون في الخارج بأهل الداخل، من منطق أن كل من بقي في سوريا هو مؤيد للنظام، وهذا في الحقيقة ليس سوى إعادة لإنتاج نظرية النظام نفسها، فكأن المطلوب هو إفراغ سوريا من السوريين تماما، بدل أن يكون المطلوب هو عودة السوريين جميعا إلى سوريا، وكأن من بقي في سوريا بالنسبة لهؤلاء الشامتين ليسوا أهلنا وناسنا وأصدقاءنا، وأن ما يمسهم من خراب يعني إبقاء الوضع السوري الحالي إلى أجل غير مسمى، فتراكم أزمات معيشية واقتصادية من هذا النوع القاسي يقضي على مقدرة أي كائن بشري بالتفكير الإيجابي فكيف بشعب يعيش منذ ثماني سنوات تحت وطأة حرب مجنونة وعبثية؟!
والحال أن السوريين في الداخل محشورون بين نارين، نار النظام بكل جبروته وكذبه وادعاءاته وفشله الذريع بإدارة أي أزمة قديمة أو طارئة، ونار المخونين والشامتين الذين يعيشون خارج سوريا في بلاد يتمتعون فيها بكامل حقوقهم المعيشية والإنسانية، وبدل أن يتعاطفوا مع ناس بلدهم نراهم سعداء بالمصائب التي تطال السوريين في الداخل، في رؤية بالغة الضيق والمحدودية والاستعلاء في الوقت نفسه، إذ يظن هؤلاء أن على السوريين في الداخل إسقاط النظام بينما يتمتعون هم بحياة هانئة وسالمة وآمنة.. هل من خراب أكثر من ذلك؟!
بقلم: رشا عمران

رشا عمران