كتاب وأراء

لم تقف دولة في عالمنا العربي مع السودان وشعبه الطيب.. مثلما وقفت قطر

الثورة السودانية.. «إزيكم.. كيفنكم»

الثورة السودانية.. «إزيكم.. كيفنكم»

أحمد علي
مثلمــــــا يتفاعـــــل الســــودانيـــــون مـــــع مطـــــربهم الأشــــــهر «محمـــد وردي»، وهــــو يشدو برائعته «يا شعباً لهبك ثورتيك، تلقى مرادك وإلفي نيتك، وعمق إحساسك في حريتك»..
.. يتمايل قلمي على الورق، متفائلاً، ويرسم كلماته متفاعـــــلاً مع حراك الثورة السودانية، الــــــتي «اقتلــــعت» حــــكم عمر البشير، وما زال أمامهـــا الكثيـــــر، لاجتـــثاث حكـــم العسكــــر، والتخــــلص من قوى الفساد والشر، وهذا يمثل التحدي الأكبر، حتى يعود السودان الأغر إلى مجده وكرامته وعزته.
.. وتعود للشعب السوداني الصبور حريته، لينهض هذا الشعب العربي الجسور مجدداً من كبوته، ويتولى زمام الأمور في وطنه، ويساهم في بناء دولته، ويشيد الجسور المؤدية إلى نهضته.
.. وليس ضرورياً عندما أكتب عن السودان، من موقعي كمراقب في قطر، أن أكون شاعراً ذائع الصيت، مثل شاعر الشعب «محجوب شريف»، المنحاز دوماً لقضايا شعبه، الذي كان شريفاً في قصائده.
.. ولهذا فرض نفس على الساحة الشعرية، عبر كلمته الشعبية، المعبرة عن الحالة الوطنية.
.. وليس مطلوباً، ولســــت مطالبــــاً، عندما أتنـــاول الشـــأن الســـوداني، أن أُغـــنِّي، مثلما غنَّى «محمد وردي» أغنياته الخالدة، في ذاكرة السودانيين، مثل خلود النيل، المتدفق رقراقاً، كشهدٍ سلسبيل، من شفتي «كنداكة» نوبية، تشهد على حضــــارة الممالك الســــودانية العتــــيقة، بكل أمجادها العريقة.
.. وليس شرطاً عندما أكتب عن السودان، أن أضع فوق رأسي عمامة بيضاء طولها عشرة أمتار، أو أضحك مثل ضحكة الراحل حسن الترابي، التي يصعب تفسير رنينها، ويعجز فهم إيقاعها، لأنها تجعلك حائراً، تتساءل هل تعبِّر عن الفرح، أم المرح، أم الترح، أم هي شكل من أشكال السخرية أو القدح!
.. وليس واجباً عندما أكتب عن السودان، أن أصبغ لحيتي، لتصبح مثل لحية «الصادق المهدي»، المخضبة بالحناء الحــــمراء، بلـــــون الطمــي الإفريقـــــي، الذي يأتي عبــــر النيــــل الأزرق، من أعالي المنابع الإفريقية!
.. ولا يتطلب تناول الشأن السوداني، في صحيفة قطرية، أن يرتدي الكاتب جلباباً فضفاضاً، له جيب أمامي، ومثله على الجانب الآخر، يسمونه ثوب «جناح أم جكو»، وهو ذلك الطائر الجارح، الذي صار شعاراً للجمهورية السودانية، متصدراً رايتها الوطنية.
.. ولا تستدعي الكتابة عن السودان، أن ألبس «مركوباً»، مصنوعاً من جلد النمر، أو أكون نمراً، متنمراً مثل «النميري»، أو «أكشخ» مثل «كشخة» صديقي السوداني الطيب «هاشم كرار»، الذي يملك قدرة عجيبة، على جمع الأحمر والأخضر والأصفر في قميص واحد، ليشكل لوحة سريالية، مثل لوحات «سلفادور دالي»!
.. ولا يتطلب تناول الشأن السوداني، أن أنطق كلمة (اااااااي)، ممدودة المنطوق، مثل غالبية السودانيين، لكن ما أريد قوله، عبر منطوقي الصريح، المكتوب في هذا المقال، المستند إلى المنطق، أنه لم تقف دولة في عالمنا العربي مع السودان، مثلما وقفت قطر، التي حرصت على مدى العقود الماضية، على أمنه، وعملت على استقراره، ودعم قضاياه الوطنية، ما مكنه من تخطي الكثير من الصعوبات، وتجاوز العديد من العقبات، وتسوية الكثير من الملفات الصعبة.
.. ولم يكن الدعم القطري، محصوراً في شخصٍ واحد، أو مقصوراً على حاكم واحد، أو مشروطاً بتوجيه سياسي واحد، بل كانت اليد القطرية الكريمة، ممدودة إلى جميع من تناوبوا على حكم السودان، بهدف تحقيق مصالح السودان، ولا مصلحة أخرى غير مصلحة السودان.
.. ولا يمكن لأي منصف، سواء كان علمانياً أو إسلامياً، ليبرالياً، أو راديكالياً، شيوعياً أو شعبوياً، إنكار أن قطر قدمت ما لم تقدمه أي دولة أخرى للشعب السوداني الشقيق، وخصوصاً في «دارفور»، حيث ساهمت مساهمة فعالة بجهودها الخيرة، وأفكارها النيّرة، لإنهاء الأزمة، التي اندلعت شرارتها، في ذلك الإقليم السوداني المضطرب عام 2003، وخلفت أكثر من 300 ألف قتيل، وشردت نحو (2.5) مليون سوداني، وفقاً لتقارير الأمم المتحدة.
.. ولا جدال في أن أي متابع للشأن السوداني يدرك، أن الجهود القطرية المخلصة، أثمرت دعماً قطرياً غير مسبوق لقضايا السودان الوطنية، منها توقيع «وثيقة الدوحة للسلام في دارفور»، مسقط رأس الفريق أول محمد حمدان دقلو، نائب رئيس «المجلس العسكري»، الذي يشتهر باسم «حميدتي».
.. والحمد لله، أن قطر، في إطار حرصها الأخوي على استقرار السودان، حولت الوثيقة الموقعة المذكورة، إلى مشروع تنموي كبير في الإقليم المضطرب، لإزالة ما خلفته الحرب من دمار، ومآسٍ إنسانية لا حصر لها، ارتكبتها «ميليشيات» ما كان يعرف باسم قوات «الجنجويد»، التي مارست هجماتها تحت قيادة «حميدتي» شخصياً، ضد قبائل «الزغاوة» و«المساليت»، وغيرهما من سكان «دارفور» غير العرب، في إطار حملة التطهير العرقي، التي أثارت استنكاراً عالمياً.
.. وتشكل هذه الحقيقة وغيرها، مدخلاً ضرورياً للولوج إلى صميم الحدث السوداني، المتفاعل حالياً بعد اقتلاع حكم عمر البشير، لفهم طبيعة الموقف القطري الأخوي، الداعم دوماً لمصالح الشعب السوداني الشقيق، دون الحاجة إلى الاستعراض.
.. وما من شك في أن من حق كل «زول» سوداني، أن يطمح في حكم مدني، يقود دولته نحو الديمقراطية، حتى تنهض بلاده من كبوتهـــــا الســياسية، وأزمتها الاقتصادية، بعيداً عن قيود المؤسسة العسكرية.
لكن ليس من حق أحدهم، مهما علا شأنه، أو طال لسانه، سواء كان عسكرياً أو مدنياً، أن يشكك في مواقف قطر تجاه السودان، بعدما وقفت الدوحة مع الخرطوم، في أحلك ظروفها، ودعمتها في أصعب أيامها، ومن ينزلق في هاوية التشكيك، يعد ناكراً للجميل، وهذا ليس من شيم السودانيين الطيبين.
.. وعندما أكتب عن ذلك بكل صراحة، يعلم السودانيون جميعاً، الذين تعاملت معهم، طوال مسيرتي الصحفية، أنني لست «كوزياً»، نسبة إلى «الكوز» وجمعها «الكيزان»، وهو الكأس أو الكوب، سواء كان فاضياً أو ممتلئاً،وهو مصطلح شعبي سوداني، يطلقونه على التيار السياسي الداعم لحكم البشير في السودان!
.. وانطلاقاً من هذه الحقيقة الناصعة البياض، مثل قلوب السودانيين، الراسخة على أرض الواقع، مثل رسوخ أهرامات «مروي»، لا عجب أن تحتشد عاطفتي تعاطفاً مع مجريات الثورة السودانية، وحراكها المتواصل منذ شهر ديسمبر الماضي.
.. وليس عجيباً أن تتدفق موجات الحراك في قلمي، كلمة تلو أخرى، عندما أكتب عن السودان، دولةً وشعباً، ذلك لأنني أُكنُّ تقديراً عميقاً لهذا البلد العربي الشقيق، واحتراماً كبيراً للشعب السوداني العريق.
.. وهذا ما يجعلني أغني لهم «أزيكم، كيفنكم، أنا لي زمان ما شفتكم، أنا ما غريب، أنا منكم، مشتاق كثير، كثير لحراككم»!
.. ولعل ما يجعل هذا الشعور الأخوي الصادق ينتابني، تعاملي الوثيق مع العديد من الزملاء السودانيين العاملين في قطر، الذين عرفتهم عن قرب، وتعرفت على السودان من خلالهم، أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر، الأستاذ أحمد عمورابي، الذي يعكس في شخصيته طيبة أهل السودان.
إضافة إلى الزملاء الأعزاء، عبدالله سيد أحمد، ومحمد عوض، وجمال محمد أحمد، والمصور عماد الشبلي، الذي يجيد التصوير دون كاميرا، وزميله علي عبدالرحيم صاحب الابتسامة الموناليزية!
.. ولا أنسى السوداني الأنيق هاشم كرار، القادم من «الحصا حيصا»، الذي يعكس في أناقته النسخة السودانية من الممثل الأميركي «مورجان فريمان»!
.. وربما يكون لون بشرتي السمراء، مثل سمار النيل، في موسم الخريف، سبباً كافياً لأتناول الشأن السوداني، من منظور مراقب قطري، يحب السودان، ويتطلع إلى خير ورفاهية شعبه.
.. وها هي تباشير الخير، تهل على أهلنا في السودان، بعد نجاح ثورتهم في «اقتلاع» رأس النظام، لكن ذلك ليس نهاية المطاف، بل بداية الطواف، لاقتطاف ثمار الثورة، المستهدفة داخلياً وخارجياً.
.. ومنذ اليوم الأول، لانقضاض «المجلس العســـكري» على الســــلطة في الســـودان، مثلما ينقض «صقر الجديان» على فريسته، بدا واضحاً أن العسكر يديرون مجلسهم على طريقة «صيد الفرائس»، ولا أقول اصطياد الفرص!
.. وهذا ما يعكسه إنزال أو تنازل رئيسه الأول الفريق «عوض بن عوف» عن الكرسي الرئاسي، بعد (24) ساعة، من إعلانه رئيساً، ليتولى بعده الفريق الركن عبدالفتاح البرهان رئاسة المجلس!
.. ولا يحتاج الأمر إلى «برهان»، لإثبات العلاقة الوثيقة، التي تربط رئيس المجلس العسكري السوداني بالسعودية والإمارات، إذ يكفي أن تشم رائحة «العود الملكي» السعودي، و«البخور» الإماراتي، تعبق في أرجاء السودان، في هذه المرحلة العسكرية، ولا أقول الثورية، خاصة أن عبدالفتاح البرهان، كان منسقاً للقوات السودانية، المشاركة في الحرب العبثية، التي تقودها السعودية في اليمن، ودخلت عامها الخامس، دون تحقيق أي نتائج، سوى زيادة المآسي على الشعب اليمني الشقيق.
كما لا يمكن إغفال رائحة «المجبوس» الخليجي، المطبوخ في مطابخ الرياض وأبوظبي، احتفالاً بتولي «البرهان» رئاسة المجلس، بمشاركة نائبه «حميدتي»، بعد مسارعة العاصمتين، بالإعلان عن تقديم (3) مليارات دولار، منها (500) مليون كوديعة في عُهدة البنك المركزي، تحت مظلة الحكم العسكري، ويا لها من «كبسة» مطبوخة بأجود أنواع «الرز» البسمتي!
.. وفي خضم الدفع السعودي، والاندفاع الإماراتي، باتجاه عسكر السودان، لا يمكن إغفال رنين «الزغاريد» المصرية، التي تدوي في أرجاء وادي النيل، ترحيباً بالحكم العسكري الجديد في السودان، بعد تولي «عبدالفتاح السوداني» منصباً رئاسياً، لا يختلف عن منصب «عبدالفتاح المصري»!
.. ومن الواضح، ولا أقول الفاضح أن مصر، ومعها السعودية والإمارات يريدون أن يكون لهم دور فاعل في السودان، عبر التأثير على أوضاعه الداخلية، وتوجيه مستجداته الثورية، من خلال السيطرة على توجهات «المجلس العسكري»، بما يتماشى مع أهداف الرياض، ويتماهى مع أجندة أبوظبي.
.. وما من شك في أن كل «زول» في السودان، وكل «كنداكة» نوبية، من فتيات الجيل السوداني الجديد، يدركون جيداً أن هاتين العاصمتين الخليجيتين، تدعمان الثورات المضادة، لأنهما تشعران بالحساسية المفرطة من الثورات الشعبية، التي تتفاعل على الساحات العربية.
.. وعلى هذا الأساس، يمكن تفسير الدعم السعودي الإماراتي الفوري المشترك، الذي تم إعلانه، بهدف توفير الحماية للنظام العسكري، الذي يتولى الحكم حالياً في السودان.
.. وحتى يثبت النظام الجديد، الذي يتشكل في الخرطوم، سواء كان عسكرياً أو مدنياً، ولا أقول مداناً، أنه لا يحابي السعودية ولا يتبع خطوات الإمارات، ينبغي أن يقف على مسافة واحدة من الدول العربية، وتحديداً دول الخليج، خاصة أنه ليس في مصلحة السودانيين في الداخل والخارج، أن يتخذ «مجلسهم الحاكم» مواقف منحازة لطرف ضد آخر.
.. وليس في صالحهم أن يزج «المجلس العسكري» بنفسه في أتون أزمات المنطقة، وصراعاتها، عبر الانحياز لدولة ضد أخرى.
بل يجب أن يضع في أولوياته، ترتيب أوضاع البيت السوداني، في إطار فهم واستيعاب، أن لدى السودان ما يكفيه من مشاكل، ينبغي تسويتها، وإيجاد الحلول لها، بعيداً عن تدخلات الآخرين.
.. ولعل الحقيقة الكبرى، التي ينبغي استيعابها، أن الإطاحة بحكم البشير، كانت هدفاً شعبياً، دفع الشعب السوداني ثمنه باهظاً من أرواح أبنائه، بعد سقوط عشرات الشهداء، والجرحى في الثورة المتواصلة، منذ شهر ديسمبر الماضي.
.. ولعل الأمر اللافت، هو ذلك الغزل المتكرر، الذي يوجهه رئيس المجلس العسكري السوداني، باتجاه السعودية والإمارات، وكأنه بذلك يعيد إحياء أغنية «البلابل السودانيات» الشهيرة التي يقول مطلعها:
«مشينا، مشينا، مشينا، في طريق الحب، مشينا»!
.. وفي إطار ذلك الممشى، لا يخفى على أحد، أن الرياض وأبوظبي، تسعيان لاستغلال الأوضاع المضطربة في السودان، بهدف السيطرة على القرار السوداني، وتوجيهه لخدمة مصالحهما، وتنفيذ أجندتهما في المنطقة.
.. وتسعى السعودية والإمارات، إلى إغراء، بل إغواء «المجلس العسكري»، ليتماشى مع أهدافهما السياسية والعسكرية، ويستجيب لها، ويكون جزءاً منها، بحيث ينظر حكام السودان الجدد، إلى قضايا المنطقة، من خلال المنظور السعودي - الإماراتي!
.. وبطبيعة الحال، وفي جميع الأحوال، لا يمكن تحقيق ذلك، إلا من خلال تغـــيير اتجاه الثورة السودانية، وتحويل مساراتها، نحو اتجاهات أخرى، لتنفيذ التوجيهات والتوجهات، التي تخدم مصالح الرياض وأبوظبي، أكثر من مصلحة الشعب السوداني!
.. وأستطيع القول - بثقة - إن السعودية والإمارات لم تقدما دعمهـــما المالي المعـــلن، وربـــما الملعون، لوجه الله للخرطوم!
.. ولم يكن ذلك حباً في السودان، أو حرصاً على أمنه واستقراره وازدهاره، ورفاهية شعبه، أو تقديراً لتضحيات الثورة السودانية، وإيماناً بأهدافها.
.. ولم يكن الإعلان عن حزمة المساعدات المالية السعودية - الإماراتية، إعجاباً بسمار السودانيين، أو تأثراً بأداء «الزول» سيد خليفة، وهو يغني «المامبو سوداني»!
لكن الرياض وأبوظبي، ارتديتا «مركوباً»، سودانياً، مصنوعا من جلد «الأفعى»، من أجل الانقضاض على الثورة، والالتفاف عليها، وتحويل مساراتها، وتغيير بوصلتها، لكي تحصلا على مرادهما منها، عبر جعل النظام الجديد، الذي يتشكل في السودان، سواء كان عسكرياً أو مدنياً، يدور في فلك العاصمتين المخربتين، ويكون تابعاً لهما في سياساته وتوجهاته!
.. ولعل أكبر التحديات التي يواجهها «المجلس العسكري»، إثبات أنه لا يشكل امتداداً للنظام المعزول، ولا يمثل نسخة معدلة من ذلك النظام المخلوع.
.. ورغم قيام «رئيس المجلس» بإزاحة الكثيرين من وظائفهم القيادية، بحجة ارتباطهم بنظام البشير، لكن العسكر الذين يديرون سلطات الحكم العسكري في البلاد حالياً، لا يمكنهم إنكار أنهم لم يصلوا إلى مناصبهم الرفيعة في القـــــوات المسلــحة، إلا مـــن خــلال «ترقياتهم» عبر «النظام البائد»، وتحديداً من رئيسه المخلوع، حيث تولى عبدالفتاح البرهان قيادة «القوات البرية» في عهد البشير.
.. ونفس الأمر ينطبق على نائبه، الفريق أول محمد حمدان دقلو، الذي يشتهر باسم «حميدتي»، وكان قائداً لقوات «الجنجويد» في «دارفور»، التي شكلتها حكومة الخرطوم، ثم غيرت اسمها لتصبح «قوات الدعم السريع»، وأصبحت من أقــــوى أذرع نظــــام البشــــير، وهـــــو الذي منح قائدها القوة والنفوذ، ليصل إلى ما وصل إليه.
.. ولا ننسى أن البشير أوكل إلى ذلك «النائب»، تنسيق عمليات القوات السودانية، المشاركة في الحرب العبثية التي تقودها السعودية على الساحة اليمنية.
وبالتالي لا يمكن لأحدهما، أو كليهما المزايدة على غيره، ولعل الحقيقة التي لا يستطيع «البرهان» و«حميدتي» القفز فوقها، أنهما لم يصلا إلى ما وصلا إليه إلا بدعم من الرئيس المخلوع، ولا أقول المخدوع!
.. وما من شك في أن كل «زول» سوداني، وكل «كنداكة» نوبية، مثل الناشطة السودانية «آلاء صلاح»، وغيرها من شباب السودان يدركون هذه الحقيقة، مثل إدراكهم نوايا السعودية والإمارات تجاه بلادهم، ويدركون أيضاً مخططات الرياض وأبوظبي الشيطانية ضد ثورتهم.
.. ويعلمون أيضاً أن السعودية والإمارات، تحاولان استغلال الظروف المتقلبة التي يمر بها السودان، للانقلاب على الثورة، أو الالتفاف عليها، في لحظة انتهازية، ابتزازية، اعتادتا القيام بها، في أكثر من دولة ومع أكثر من نظام حاكم، وضد أكثر من شعب عربي، يعاني من سياساتهما التخريبية.
.. ولا أكشف سراً، عندما أقول إن الرياض وأبوظبي ليس في أجندتهما، سوى زج الســـودانيــــين في محرقة الحرب الخاســـرة في اليمــــن، التي تواصـــل السعـــودية والإمــارات من خـــلالها الاعتداء على اليمنيين الأبرياء.
.. وهذه الحقيقة، لا يمكن لأي سوداني وطني إغفالها، مثلما لا يمكنني إغفال أن «ثورة ديسمبر»، المتصاعدة في السودان تفجرت بضيائها كالفجر، في ليلة غاب عنها القمر!
.. وها هو شعاعها اللامع، وضياؤها الساطع، ينبــــثق مـــن عتمة الليل، مثل شــــعاع الشـــمس، ليبـــدد ظلمة العقود الغابرة، وظلم العهود المغادرة!
.. وما من شك في أن دماء الشهداء، الذين ارتقت أرواحهم إلى بارئها، تجعل الثورة السودانية أسطورة شعبية، من أساطير الشعوب المقهورة، ولا أقول المكسورة، التي تسعى للخلاص من حكم العسكر، في سبيل الوصول إلى الحرية، والديمقراطية وتحقيق العدالة الاجتماعية.
.. ومع تصاعد موجات الحراك الثوري في السودان، يأتيك من ساحة الاعتصام، الواقعة أمام مقر القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية، صوت «الزول» سيد خليفة، رغم رحيله قبل 18 عاماً، وتحديداً في الثاني من يوليو عام 2001.
هناك بين جموع المتظاهرين، حيث تحتشد قوى «الحرية والتغيير»، المطالبة بإنهاء الحكم العسكري في السودان، يأتي صاحب القامة السودانية الباسقة، والبنية الجسمانية السامقة، متمايلاً مثل شجرة «أبنوس» فارعة الطول، مغنياً بكل الشجن، بطريقته الفريدة من نوعها في الغناء، لدرجة تشعر خلالها أن حب الوطن، يسري في عروقه، مثل سريان الدم، في شريان الدم، وهو ينشد:
أنا بافخر بيك يا وطني
بالروح أفديك يا وطني
أنا هنا شبيت يا وطني
زيك ما لقيت يا وطني
يا وطني يا بلد أحبابي
في وجودي أحبك وغيابي
يا حليلك ويا حليل أيامك
.. وقلبي عايش لغرامك
كانت أيام يا وطني
زي الأحلام يا وطني
أنا بافخر بيك يا وطني
بالروح أفديك يا وطني.

أحمد علي