كتاب وأراء

دور الإعـــــلام التـــربــــوي

نحن مولعون بالسحر نعزف الأمنيات، ونصدِّقها، نرشُّ البخور على ثياب النصابين، والدَّجّالين ومغيِّبي العقول، ونروح نتلمّس بركاتهم. نحن لا نصنع الفراعين، وحسب، بل نصنع كذلك المستحيل، لنصدِّقه، فلم يعدْ لنا في موروثاتنا ما يستحقُّ التَّصديق،إلا في بركات الأولياء الصّالحين! في إحدى القنوات الفضائية، إستضافت إعلاميةٌ رجلاً يطلق على نفسه لقب شيخ عالم، في حين ثبت في الحوار معه أن تعليمه لا يعدو الصف الثالث الإبتدائي، كان موضوع الحلقة -كما جاء في الحوار -هو «كشف النصّابين المحتالين الذين يدَّعون التطبيبَ بالرُّقى». قال ذلك الشخص، الذي استُجلِب من بلده العربي، إنه جاء ليكشف أولئك النَّصّابين، وإنه-شخصياً- يملك عشر قنواتٍ فضائيةٍ يبثُّ من خلالها بركاته للمرضى المتشافين.
صاحبنا «طبَّ» في أوّل زنقةٍ أدخله فيها المحاوران الآخران، خرج من اللقاء، ولكنه عاد مع شخصٍ آخر من مواطنيه يحمل لقب «مسؤول سابقاً» في هيئاتٍ ثقافية، ويشغل منصب المدير العام في قنوات صاحبنا، يستعين بحلف الأيمان المغلظة لإثبات بركات مولاه، ويؤكد أن مولاه رجلٌ واسع الثراء يقف على ستين مليون دولارٍ..حاجة كده مكشوفة، لا يقبلها عكل، على رأي فنانتنا الجميلة شويكار طوب صقال.
المهم، وبعد، تعرية المعالج بما يزعم، وصاحبه المسؤول السابق في هيئات ثقافية، طلعت علينا قناةٌ فضائيةٌ أخرى بلقطةٍ لرجلٍ متقاعدٍ فيه شبهٌ كبيرٌ من فضيلة الراحل الشيخ محمد متولي الشعراوي وهو في أحد الأحياء الشعبية في القاهرة، والناس ملتفّون حوله يتمسَّحون به، ويطلبون منه البركة، وحينما حاوره المذيع انطلق يردد دعاءّ ببغاوياً يحفظه عن ظهر قلب ٍ كتلميذٍ في المرحلة الإعدادية في حصة محفوظاتٍ عربية!
هاتان سقطتان إعلاميتان، وقد أشرت إليهما لما في دور الإعلام من أهميةٍ بالغةٍ في عملية التربية، فهو إحدى الدوائر الأربع التي تؤثر في تربية النشء، بل قل المجموع، وذلك بسبب انتشاره في الفضاءات الواسعة، ودخوله بيوتنا دون رقيبٍ أو حسيب..
والإعلام بوسائطه المختلفة -وفي كل العصور- هو الواسطة، وهمزة الوصل بين العقول المتفتحة، والقلوب الشابة من جهة، والمتلقي الذي تأتيه المعلومة، وهو يحتسي فنجان قهوته الصباحية في بيته أو استكانة الشاي في دائرة عمله وسط رفاقه وزملائه، فهي إما تعمل على تهذيبه، أو تعمل على تدمير خلايا مخه كتلك الفتاوى العمّال على بطّال التي يطلقها من لم يحصّلوا تعليماً دينياً منهجياً، ولكنهم يجدون ترحيباً لأفكارهم في قنواتٍ تملأ فضاءاتنا.
قلتها، وسبقني إليها أساتذةٌ ومربّون كبارٌ: إن الإعلام أداة تحفيزٍ وتنويرٍ، وتهذيب، ومن الجناية التي لا تُغتَفَر بحق من بيدهم الأمر أن يُترك الإعلام، -ولو في بعضه- سداحاً مداحاً للجهلاء والمعقَّدين، والكارهين كلَّ ما هو نبيلٌ، وجميلٌ في هذه الحياة.
بقلم: حسن شكري فلفل

حسن شكري فلفل