كتاب وأراء

استعادة قيم الرحمة والتعاطف الإنساني

شهر رمضان الذي خصصه الله تعالى لصيام المسلمين والتفرغ لعبادته، واستعادة قيم الرحمة والتعاطف الإنساني، هو أيضاً لتهذيب النفس المفعمة بالشهوات وتدريبها شهراً كاملاً على التغلب والانتصار على إلحاح رغبات الجسد البشري،
فمن استطاع قهر شهواته فهو من نال ثواب رمضان، والشهوات ليست فقط في الأكل والشرب، وإنما في كل شيء، شهوة التميز عن الآخرين، شهوة الاستعلاء والاستعراض، شهوة التشاوف، شهوة التمتع بما حرم الله تعالى في الشهر الفضيل، قائمة الشهوات البشرية طويلة، وكلما استطاع المؤمن التقليل منها في رمضان، دخل في المعنى الحقيقي للشهر الفضيل.
غير أن شهر رمضان تحول، منذ سنوات طويلة، شهراً لكل ما يخالف فكرته، فمن يراقب الأسواق العربية قبل الشهر الفضيل بأيام قليلة سيشعر وكأن ثمة مجاعة قريبة جداً قادمة، فما يتم شراؤه وتخزينه من المواد الغذائية يكفي لعام على الأقل، بينما الفكرة هي الاكتفاء بأقل الأٌقل من الطعام والشراب، في فكرة التقشف والخروج من روتين الحياة اليومي في المأكل والمشرب إلى نمط حياة متقشف يشبه ما يعيشه فقراء القوم، وهو ما يمكن أن نسميه الرحمة والتعاطف، لكن ما يحدث هو العكس تماماً، أصبح شهر رمضان فرصة للتباهي بما تضعه هذه الأسرة أو تلك على موائد الإفطار والسحور، وفرصة للتشاوف الاجتماعي، بعرض صور الموائد الرمضانية خصوصاً وقد أصبحت السوشيال ميديا وسيلة ومتاحة للجميع لعرض ما يريدون عرضه والتشاوف به، دون الاكتراث بحال من لا يملكون الإمكانات نفسها في الموائد الرمضانية.
كما أن الإعلام العربي الفضائي ساعد كثيراً على تكريس شهر رمضان بشكله الحالي الغريب عن قيم الإسلام وقيمة الصيام ذاتها، فخصص الإعلام برامج رمضانية معنية بالطهي فقط، وتقديم نماذج عن وجبات الإفطار والسحور وما يجب أن يليها من أنواع الحلويات والفاكهة، والمشاريب المتنوعة، ولأن الفضائيات تصل إلى كل بيت عربي تقريباً، فلكم أن تتخيلوا حال الملايين الذين يعيشون في عالمنا العربي تحت خط الفقر، وحال المشردين في المخيمات بعد الحروب والكوارث التي عصفت بعالمنا العربي، وحال المحاصرين جوعاً وعطشاً من قبل جيوش الدول التي يقدم إعلامها صورة لرمضان فاحش الثراء، وكأن الله تعالى خصص رمضان للأثرياء والمترفين.
وأيضا بدأت منذ سنوات تنتشر ظاهرة استعلاء الصائم على الآخرين، فالصائم من حقه طلب ما يريد، من حقه ألا يؤدي عمله كما يجب، فهو صائم، ومن حقه أن يعامل الآخرين بقلة احترام بذريعة أن صيامه يتعب أعصابه، ومن حقه الاعتداء على أي فتاة سافرة تمشي بالشارع بذريعة أن سفورها يفسد صيامه، ومن حقه أن يعتدي على شخص مفطر، لأي سبب كان، بذريعة أن إفطاره فيه قلة احترام للصائم، ومن حقه أن يرتاح من تأدية واجباته اليومية فهو صائم، وقد أصابه صيامه بتخمة كبيرة تمنعه من الحركة، (تعرفون جميعاً أن مئات آلاف المسلمين يخرجون من شهر الصيام بوزن زائد)..
هل نتحدث أيضاً عن المسلسلات الدرامية العربية التي تصور خصيصاً لشهر رمضان كنوع من الترفيه عن الصائمين، بحيث يبدو الصوم كما لو أنه عقوبة يجب تخفيفها قدر الإمكان، لا ركن رئيسي من أركان عبادة الله سبحانه وتعالى! وهل نتحدث عن الطريقة التي يستغل بها المعلنون وشركاتهم هذا الشهر الفضيل متعاونين بذلك مع الفضائيات الساعية نحو الربح وزيادة عدد مشاهديها؟ هل نتحدث عن حفلات الغناء والسهر والرقص الخليع المخصصة لهذا الشهر الكريم في المطاعم والخيم الرمضانية التي انتشرت خلال العقدين الماضيين بشكل مثير للريبة والاستغراب؟!
يقيناً أن كل ما يحدث في شهر رمضان في بلادنا العربية، أو لدى جميع العرب المسلمين أينما كانوا، لا يشبه الشهر الفضيل في شيء، استعنا على تحويل هذا الشهر عن مضمونه الإنساني والأخلاقي العميق، فالدين رحمة وإنسانية وأخلاق ومعاملة، لم يكن الدين يوماً تشاوفاً ولا استعلاء ولا تمايزاً ولا استعراضاً، يكشف الشهر الفضيل كم أننا نحن العرب مفصومون عن واقعنا العربي، ملايين المسلمين في بلاد العرب يعيشون تحت خط الفقر بكثير، ملايين أطفال الشوارع مشردون دون أي فرصة للتعليم أو لعيش طفولتهم كما يجب أن تكون، ملايين الأرامل واليتامى ممن يحتاجون إنقاذاً مادياً كي يكملون حياتهم، أليس الأجدى والأكثر ثواباً عند الله تعالى في هذا الشهر الفضيل الإنفاق على هؤلاء بدل حالة البذخ الشخصية المريعة التي نشاهدها على كل أنواع الشاشات؟! «عن أي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه)»، هل ما يفعله المسلمون اليوم بهذا الشهر الفضيل يشبه ما قاله الرسول الكريم بشيء؟
بقلم: رشا عمران

رشا عمران