كتاب وأراء

الشعب المصري الشقيق لم يكن يوماً.. ولن يكون «عدواً» لنا.. مهما اختلفنا مع نظامه السياسي

علاقتنا بالمصريين أكبر.. من «تصريح أكبر»

علاقتنا بالمصريين أكبر.. من «تصريح أكبر»

حسناً فعل، مكتب «الاتصال الحكومي»، عندما بادر بإصدار بيانه الصريح، الذي لا يحتاج إلى شرح أو توضيح، والذي وضع النقاط على الحروف، بأسلوبه الواضح والمعروف، عبر تأكيده أن دولتنا تفتح ذراعيها - كعادتها - لاستقبال كل بلدان العالم، وترحب بقدوم الجميع، من هنا وهناك، لكل الشعوب وكافة الأعراق، في دوحة الجميع، وفي إطار الحرص القطري التام، على التواصل مع المجتمعات الشقيقة، والتعامل مع كل الدول الصديقة، وسعي قطر الدائم لتعمــــيق أواصــــر المحبــــة، ونبذ الكراهية والعداوة والفتنة.
.. ومن خلال هذا التوضيح الواضح، قطع البيان الرسمي الطريق، على المزايدات الإعلامية، والمهاترات الدعائية، بشأن هذه المسألة، التي سعت بعض الأطراف المتآمرة على قطر، لاستغلالها في الإساءة إلى دولتنا، ولكن هيهات.. هيهات!
.. ويحسب لمكتب «الاتصال الحكومي»، تدخله الفوري، لتجاوز الآثار السلبية، التي تمخضت عن زلة لسانية، لـ «أكبر الباكر»، الأمين العام للمجلس الوطني للسياحة، وهي الزلة غير المقصودة، التي حاولت بعض الجهات تضخيمها، وعملت على توجيهها، للنيل من علاقات القطريين، مع أشقائهم المصريين.
.. ولعل ما يضاعف من قيمة البيان الرسمي، أنه صدر في وقت نعاني فيه، من تداعيات الحصار الجائر، المفروض على قطر، الذي تسبب في وضع الكثير من العراقيل والقيود، وإنشاءالعوائــــق والســـدود، لتعطيـــل حركة دخول القطـــريين، إلى دول الحصار الأربع.
.. وفي خضم هذه القرارات التعسفيـــــة، والإجراءات التصعيــــدية، التي تــــــــمارسها دول التآمر، جاء بيان مكتب «الاتصال الحكومي» برداً وسلاماً، بعد الضجة التي أثارتها تصريحـــــات أكبـــر الباكـــر، الأمين العــــام للمجلــــس الوطني للسياحة، الذي انزلق لسانه، في زلة غير مقصودة، في إطار تعبيره العفوي، عن ضوابط منح التأشيرات السياحية، رغم أن هذا الموضوع، ليس من اختصاصه، ولا يقع ضمن مسؤولياته.
ووفقاً للبيان الرسمي، الصادر عن مكتب «الاتصال الحكومي»، فإن «إدارة شؤون الوافدين»، في وزارة الداخلية، هي الجهة الوحيدة، المخولة بإصدار تأشيرات الدخول، إلى البلاد بمختلف أنواعها، حسب موافقة الجهات المختصة، وطبقاً للنظم والقوانين واللوائح المنظمة لذلك، والاتفاقيات المشتركة مع الدول الأخرى.
.. وخارج إطار هذه الآلية، فإن أي تصريحات، تخرج عن هذه الأطر القانونية، لا تمثل السياسة المعمول بها في الوزارة المعنية، ولا تعكس السياسة الرسمية المتبعة في دولتنا، تجاه شعوب العالم، حيــــث سيظــل موقــــف قطر واضحاً دوماً، بضرورة عدم إقحام الشعوب في الخلافات السياسية.
.. ومشكلة أكبر الباكر، أنه ترك المجال الذي يفهم فيه، وهو الطيران والطائرات، من جميع الطرازات وكافة الموديلات، سواء من نوع «إيرباص»، أو «بوينغ»، أو حتى طائرة «أم أحمد»، وحلّق بعيداً في فضاء السياسة، معتقداً أنه «هنري كيسنجر»!
.. وكان مفروضاً، ألا يخوض في المسائل الحساسة، المتعلقة بالعلاقات بين الشعوب، وخصوصاً الشعب المصري الشقيق، الذي مهما اختلفنا سياسياً، مع نظامهم الحاكم، لا يمكن أن نعتبرهم «أعداء»، بل هم «الأشقاء»، مهما زادت حالة البغضاء، ووصلت درجة الشقاء.
.. والمؤسف أن «تصريح أكبر»، طار في فضاءات العالم، مثل مسافر على الدرجة الأولى في «الخطوط القطرية»، وفي لمح البصر، غدا ذلك التصريح الأشر، هو المحور، الذي ترتكز عليه «نشرات الخبر»!
.. والمشكلة أن من لا يحبون قطر، تلقفوا «تصريح أكبر»، ونفخوا فيه، وكبروه أكثر، في محاولة لتضخيمه، ليبدو أنه موقف رسمي قطري، ضد الأشقاء في مصر!
لقد تحدث أكبر الباكر، من موقعه كخبــــير في الـــشأن الســـياحي، وليـــس كصانع قرار في الشأن السياسي، وينبغي التعــــــــامل مع تصريحـــه باعتباره «زلة لسان»، من ذلك النوع الذي يسمونه علمياً «الانزلاق الفرويدي»، وهذا المصطلح مخصص لشرح الخطأ المنطوق، الذي لا يستند إلى المنطق.
.. ولا يحتاج الأمر أن نستعين بالنظريات، التي وضعها «سيجموند فرويد»، مؤسس علم النفس التحليلي، لإثبات أن «تصريح أكبر»، لا يخرج عن سياق «زلة اللسان»، التي تسبب تشويشاً، على المحبة، بين الأحبة!
.. وهناك مقولة مأثورة للفيلسوف اللبناني، جبران خليل جبران يقول فيها:
«بين منطوق لم يقصد، ومقصود لم ينطق، تضيع الكثير من المحبة».
.. ومن المؤكد أن الأخ أكبر الباكر خانه منطوقه، خاصة أنه ليس «شكسبير» في اللغة الإنجليزية، وليس «سيبويه» في اللغة العربية،ولهذا بدلاً من أن يكحلها تسبب في عماها!
.. والمشكلة أن الكلمة العمياء، عندما تخرج من فم أحدهم، من الصعب إعادة البصيرة لها، أو تغيير معناها، أو وضع تبرير لها، أو تفسيرها، بغير المعنى الذي تحمله.
.. ولهذا تصبح «زلة اللسان»، الصادرة من أصغر عضو في جسم الإنسان، فرصة سانحة لبعضهم لتصفية الحسابات مع صاحب الزلة، خاصة عندما يكون إدارياً ناجحاً مثل أكبر الباكر، حيث لا يمكن لأحدنا، إنكار النجاحات، التي حققها في مجال تخصصه،بعدما جعل «الخطوط القطرية»، واحدة من أكبر شركات الطيران في العالم، إن لم تكن أكبرها، وأكثرها نمواً ونجاحاً.
.. ويكفي أنه رفع اسم قطر ورايتها، في سماء أكثر من (160) وجهة سفر حول العالم، عدا الجوائز السنوية، التي تحصدها «القطرية»، باعتبارها أفضل شركات الطيران المتطورة،إضافة إلى أفضليتها في مجال تقديم خدمات الضيافة المميزة.
.. وما من شك في أن الحملة، التي يتعرض لها أكبر الباكر، في أبواق دول الحصار، لها أهدافها المنفصلة، عن سياق تصريحه غير الموفق، حيث تسعى الكثير من الجهات، التي لا تحب قطر، إلى التشويش على نجاحات «القطرية»، في قطاع الطيران، لتفوقها على الشركات المنافسة في هذا الميدان.
وعندما أكتب هذا بكل موضوعية عن أكبر الباكر، أريد التأكيد بأنه لا يمكن لأي مواطن قطري، تمرير أو تبرير زلة لسانه، خاصة أنه لا يمثل في تصريحه مواقف القطريين، تجاه أشقائهم المصريين، الذين ساهموا بكل إخلاص، في نهضة قطر، كل في مجاله، على مدار العقود الماضية.
.. ومن المؤكد أن الشعب المصري الشقيق، لم يكن يوماً، ولن يكون «عدواً» لنا، مهما اختلفنا سياسياً، مع النظام السياسي الذي يحكم مصر.
.. وبطبيعة الحال، لا يمكن إنكار وجود خلافات جوهرية، في العديد من الملفات السياسية، مع «نظام السيسي»، الذي يشارك السعودية والإمارات والبحرين، فــــي مؤامرة حصار قطر، لكن ذلــك لا يعنــي إطلاقـــاً، أننا نعــــادي أشــــقاءنا المصـــريين، وكافة إخواننا الخليجيين، الذين نكن لهم كل مشاعر المحبة الأخوية.
.. ولا جدال في أن علاقاتنا مع الشعب المصري الشقيق، أصيلة ومتجذرة ومتدفقة بشكل عميق، وبنظام وثيق مثل تدفق نهر «النيل»، ولا ترتبط بمفهوم العلاقات الدبلوماسية فحسب، التي تمر بفترات فتور ونفور، وصعود وهبوط، بل تتعداها إلى ما هو أبعد، حيث الدين، واللغة، والتاريخ المشترك، ووشائج القربى، التي تجمع الشعبين الشقيقين، قبل أي شيء آخر.
.. وما من شك في أن علاقاتنا الأخوية، مع أشقائنا المصريين، تجعلنـــا نعتــــبرهم «أجدع ناس»، وهذا يعززه ديننا الحنيف، الذي يعمق الأواصر بيننا وبينهم، ويربطها، ويضبطها، خاصة في هذا الشهر الكريم، الذي يسعدني مع قدومه أن أتوجه لهم بأصدق التهاني، بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك، داعياً أن يعيده الله عليهم، وهم ينعمون بالأمن والأمـــان والاستـــقرار، والرخاء، لدرجــــــة أن يصـــــبح الجنيه المصري، يعادل سعر نظيره الاسترليني، في سعر الصرف، بمشيئة الله.
.. وأخص في تهنئتي المصريين جميعاً العاملين في قطر، الذين ربما سبب لهم تصريح أكبر الباكر قلقاً كبيراً، وربما بعضهم اعتبر زلة لسانه، تشكل استهدافاً لهم، ولذويهم!
.. وبعيداً عن زلات اللسان، التي شرح مسبباتها وملابساتها «سيجموند فرويد»، الأب الروحي لعلم النفس، في كتابه الصادر عام 1901، أريد التأكيد مجدداً أن سيرة ومسيرة الجالية المصرية في قطر، حافلة بالكثير من المواقف المضيئة، على مدار تاريخها القديم والحديث، حيث ساهم المصريون، في إنجاح مشروعات التنمية في دولتنا.
.. ونعلم جميعاً، أن بين قطر ومصر جدلا، يصعب في كثير من الأحيان تفسيره، وهو جدل سياسي شديد التعقيد، لدرجة تأسرك معها دوامة الحيرة!
لكن العلاقة الأخوية المصيرية، بين القطريين وأشقائهم المصريين، لن يستطيع «التهاب» السياسة أن يلغيها، أو يزيلها، لتبقى دوماً في وهجها، حتى ولو بلغت الخلافات السياسية أوجها.
.. وأستطيع التأكيد، أن ثمة وعياً قطرياً مسبقاً وسابقاً، بحتمية العلاقة الأخوية، بين الشعبين الشقيقين في قطر ومصر، ومن خلال هذه العلاقة، أوجه التحية الرمضانية المخلصة والخالصة إلى أهلنا الكرام الأعزاء في «أم الدنيا»، هناك حيث أهلنا يقيمون شمالا في «ثغر» الاسكندرية، حيث قرص الشمس، يخرج من مياه البحر، باعثا الحياة والنور، وناشرا الفرح والسرور، على أرض مصر، وحيث «الفنار» الرابض على صدر عروس البحر، وحيث قلعة «قايتباي» الواقعة على ساحل البحر.
.. أو هناك في وسط «الدلتا»، عند الفلاحين الطيبين، حيث «الغيطان»، الممتدة وسط «الفدادين»، وحيث «جاموسة» «حسنين»، و«بقرة» «محمدين»!
.. أو هناك في القاهرة الساحرة، حيث الحضــــارة، تختلــــط مـــع العـــــراقة، وحــــيث عرق الكادحين، الباحثين عن «لقمة العيش» الكريم، وسط الأزمة الاقتصادية، التي تطحن الملايين.
.. أو هناك غرباً حيث الرجال الرجال الأبطال، في السويس والإسماعيلية، ومدن «القنال».
.. أو ناحية «قبلي» جنوباً، حيث «الصعيد الجواني»، هناك عند «حضرة العمدة»، حيث الأصالة والأصول، في «قنا» و«جرجا» و«نجع حمادي» و«سوهاج» وغيرها.
.. ولا ننكر أن المصريين، هم أساتذتنا في المدارس، هم معلمونا في الجامعات، هم مهندسونا في أوراش البناء، هم مدربونا في الملاعب، هم صانعو النهضة معنا، وهم رواد الثقافة والفكر والتنوير والتطوير في بلادنا، على مدار العقود وعلى مدى العهود الماضية.
.. وأتشرف أنني واحد من أبناء جيل قطري كامل، تعلمنا في مصر، وكبرنا في مصر، وتفتحت عيوننا في مصر، ولبسنا بنطلون «الشارلستون» في مصر، وتعودنا على التسوق في شارع «الشواربي» في مصر، و«تشعبطنا» في «أتوبيسات» مصر، وقضينا أمسيات لا تنسى، في كازينو «أبوالفدا» في مصر، وعرفنا وجبات «ومبي»، من موقعه في «المهندسين»، الواقع في شارع البطل أحمد عبدالعزيز في مصر.
.. ولهذا فإن مصر حاضرة في قلوبنا، بجامعاتها وجموعهـــا، ونجـــــومها وأســـاتذتــــها، وفنونها وأفلامها، وثقافتها، وتقاليدها، ومهرجاناتها الثقافية، وأكلاتها الشعبية.
.. ويكفي أننا تعلمنا أكل «الملوخية بالأرانب» على يد المصرييــــن، وتعلمنا أكل «الفطير المشلتت» على يد المصريين، وتعلمنا شرب عصير «الفخفخينا» على يد المصريين، لكن مشكلة أكبر الباكر مع المصريين، أنه وقع في «الفخ»، ولم يعرف كيفية الوصول، إلى النصف الآخر من العصير، المسمى «الفخينا»، ولهذا جاء تصريحه «مفخخاً»، دون أن تكون فيه قطرة واحدة من «الفخفخينا»!
أحمد علي

أحمد علي