كتاب وأراء

رَمضانُ مَوسِمٌ لَمْ تَهزِمهُ الحَداثَة (1-2)

خولة مرتضوي

إنَّ الحداثة التي هيمنَت على كُلِّ شيء وغيرَت من مجرى الأحداث كثيرًا مُضفية عليها نكهة العَصرَنَة؛ أبَت أن تُحاصِرَ شهر رمضان، هذا الموسِم الديني الثقافي الخاص الذي مازال محافظًا على خصوصيته وهُويته المميزة، رُغم كثيرٍ من المظاهر التي تسلَلَت شيءًا فشيئًا فضيعت جزءًا يسيرًا من تلك النكهة الأصيلة، ورُغم هذا الزحف البطيء لمظاهرِ الحياة الاستهلاكية الجديدة، إلا أنَّ رمضان يبقى حكاية ينتظرها أهل قطر لتروي لنا عن عبَق الزمن الماضي، وما زَخَرَ فيه من قيمٍ نبيلة عَتّقها التاريخ؛ لتظَل صامدة أمام رياح التعرية والترسيب.

إنَّ التراث القطري يشملُ على عددٍ كبير من العادات والتقاليد و(السوالف) الشعبية المرتبطة بشهر رمضان المبارك، ففي هذا الشهر تشهد مدُن قطر وكافّة ضواحيها نشاطًا ودبيبًا خاصًا؛ يعُج بالأنشطة الدينية والثقافية ومظاهر التكافُل الاجتماعي الرائعة التي تمتدُّ إلى خارج قطر، لتشمل إغاثة المنكوبين من أبناء الإنسانية جمعاء في هذه المعمورة. إنَّ دورة اليوم الرمضاني في قطر، كانت ومازالت، تبدأُ بصوتِ (المسحر)، هذه الشخصية التي يتفَرّدُ بها ليلُ رمضان الدامس الذي يُضيُء بصوتِ المسحر، جائِبًا في الـ(الفرجان- الأحياء) والطُرُقات، قارعًا الطبل ومُشديًا بصوته العذب: «لا إله إلا الله، محمّد يا رسول الله، لا إله إلا الله، سُحور يا عبادّ الله، لا إلا الله، قُوم تسحّر، قُوم صُوم، لا إله إلا الله، قُوم تسَحَّر بالمقسوم»، وهكذا فإنَّ دورة الصيام تبدأ مع هذا المنادي العتيق، إلى تناول طعام السحور وعقد نيّة الصيام ومن ثَمَّ استعداد الأسرة لصلاة الفجر.

ويُمكن القول، إنَّ من أبرز المظاهر التي تتسم بها الحياة الرمضانية في قطر، هو المحافظة على تقاليد (سُفرة) الإفطار العارِمَة التي ما زالت تلتزم بمكونات الإفطار النبوي المكونة من اللبن والتمر، ويُضاف على هذه العناصر الأساسية عددٌ من الأطباق التي تُعَدّ خصيصًا لمائدة رمضان التي تُخبرنا الكثير عن الأطباق التي توارثتها الأجيال جيلًا بعد جيل، رُغم أنّ المائدة الخليجية تأثرت كثيرًا بالحداثة وأصبحت الأُسر تقدم مزيجًا من الأطباق العالمية على موائدها إضافة إلى اتكائها على وجبات المطاعم السريعة، ورُغم ذلك يبقى لشهر رمضان نكهته الخاصة التي تبرُز كثيرًا في الطعام التقليدي الشعبي الذي تحرص على صُنعه الأسَر حتى يومنا هذا، فتجد أنَّ المائدة القطرية يتسيّدُها «الثريد» هذا الطبق الذي يعودُ كذلك بجذوره إلى السُنَّة النبوية الشريفة، الأمر الذي يدُل على أنَّ أبناء هذه المنطقة ما زالوا يتّبِعُونَ النَهج النبوي الغذائي، فعَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ: إِلَّا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ». فالثريد إذَن - وهو الخبز المُفتّت مع المَرَق، يُعتبر من الأطعمة الرئيسية في المائدة القطرية الرمضانية، أما الأطباق الرئيسية الأخرى فتشمل التالي: «المجبوس، الهريس، السمبوسة، المرقوقة، المظروبة، الخنفروش، اللقيمات، الساقو، الشربَت، المحلبيَّة، الجَلِي، البلالِيط، الخبيصة، البثيثة، البرنيوش، الجِريش، كباب نِخِي، الزلابية، الألبة»، فهذه الأطباق الموسمية تُعَدّ الشامَة المميزة لـ (سفرة) رمضان التي تحرص الأُسَر على مشاركة أصنافها الأساسية قُبيل أذان المغرب، حيث تُرسل كُلَّ أُسرة بعددٍ من الأطباق للأهل وللجيران في (الفريج- الحيّ) كنوعٍ من التآخي والتكافل الاجتماعي الرائع وكطقسٍ اجتماعي لم تضربُه رياح العصر والتغريب.

{ إعلامية وباحثة أكاديمية- جامعة قطر

خولة مرتضوي