كتاب وأراء

كيف لعين أن تخطئ بــرؤيـــة مـــا يحـــدث ؟

لا يمكن لعين بشرية أن تخطئ وهي ترى مشاهد المهجرين من مدينة إدلب، الهاربين من الموت المحتوم، ومن القصف المتواتر من الطائرات الروسية والسورية معا، مهجرون مدنيون، نساء وأطفال وعجائز، يشبهوننا جميعا، نحن أبناء سوريا التي لم تكن مفيدة يوما لنا، يرتدون ملابس تشبه الملابس التي ترتديها نساء قريتي في الساحل السوري، وأولادهم يرتدون نفس الأحذية المشققة التي يرتديها أطفال فقراء السوريين في كل الأماكن المنكوبة.
لا يمكن لعين بشرية أن تخطئ وهي ترى أن هؤلاء الهاربين من مصير لم يكن لهم يد فيه هم سوريون مدنيون، أبناء تلك ىالأرض الطيبة، أو التي كانت ذات يوم طيبة قبل أن يغير البارود طبيعتها، وقبل أن تحرق نار الحرب والحقد صفاتها الاستثنائية!
لا يمكن لعين بشرية أيضا أن تخطئ وهي ترى مشاهد الدمار في إدلب وريفها، أن من يتم انتشالهم من تحت الأنقاض، هم مدنيون أيضا، نساء وأطفال ورجال وعجائز، كانوا يظنون أنهم محميون طالما هم يعيشون تحت أسقف بيوتهم، وطالما هم لم يحملوا سلاحا ضد أحد، سواء أكانوا من أهل إدلب نفسها أو ممن استضافتهم المدينة الحزينة من المهجرين من باقي المدن السورية المنكوبة، لا يمكن لعين أن تخطئ أن من تستهدفهم طائرات النظام السوري وطائرات حليفه الروسي هم المدنيون فقط، وأن كل البروباغاندا عن استهداف أعضاء جبهة النصرة هو محض كذب وادعاء، إذ لا يمكن لعين بشرية أن تخطئ وهي تشاهد عبر الفيديوهات المبثوثة والصور المتبادلة على وسائل التواصل الاجتماعي للضحايا، أنه لا توجد ضحية واحدة بلباس الحرب أو ثمة سلاح ما معها، حتى الصور والفيديوهات التي تنشرها مواقع النظام وتليفزيون روسيا اليوم وموقع مطار حميميم العسكري الروسي، لا يوجد في أي منها صورة لعنصر من جبهة النصرة أو غيرها من التنظيمات المقاتلة، إذ أن أشكالهم وسحناتهم معروفة ويمكن التمييز بسهولة بينها وبين سحنات المدنيين، صرنا كسوريين خبراء بسحنات المشاركين بالحرب بعد تلك السنوات الطويلة، ومئات آلاف الصور والفيديوهات اليومية.
هل تخطئ العين البشرية ذلك المهشد السوريالي للصورة التي انتشرت مؤخرا على مواقع التواصل؟! صينية طعام في منزل تعرض للقصف فهرب أهله وتركوا الصينية كما هي، على الصينية كان يوجد التالي: طبق فيه رز ولحمة معدة للتحضير، وطبق آخر فيه ورق عنب يستعد لحشوة الرز واللحمة، وطبق آخر فيه ورق عنب محشي وملفوف ومجمع بخيطان كما لو كان أصابع ديناميت، على الطريقة السورية المعروفة في طهي تلك الأكلة الشهيرة التي لا تفارق السوريين في رمضان الكريم، كانت أسرة ذلك المنزل تعد طعام فطورها قبل أن ينزل عليها غضب الكون من طائرات تحمل معها الحقد والدمار فهربوا من الموت تاركين الوضع على ما هو عليه، أو ربما مات أحدهم دون أن يظهر جسده المدمى في الصورة! هل أعضاء جبهة النصرة كانوا ليعدون طعام إفطارهم بكل هذا الهدوء والأناقة ؟! قليل من العقل وقليل من المحبة يجعل الحقيقة واضحة وجلية ولا تحتاج الكثير من البحث للتأكد أن ما يحدث في إدلب وريفها لم يكن المقصود منه أبدا القضاء على المجموعات الجهادية كما يتم الادعاء، بل هو إعادة ترتيب لمنطقة الشمال السوري.
فالروس يسعون (لتنظيف) منطقة الشمال وبموافقة أميركية معلنة.
هذا (التنظيف) لا يعني سوى تغيير ديموغرافي في الشمال السوري على غرار ما حصل في عفرين، أما الجهاديون وفصائلهم، فستجد لهم الدول التي أنشأتهم ومولتهم أدوارا أخرى في أمكنة أخرى قريبة أو بعيدة، لا فرق، فهم يصح فيهم الوصف: (تنظيمات إنترناشيونال) ! أما القليل من المحبة الذي يجب أن يتوفر لدينا لنرى ما يحدث دون أن تخطئه العين، فهو على ما يبدو غير متوفر لدى كثر، ليس متوفرا لدى مؤيدي النظام السوري الذين يطالبون علنا وصراحة بإبادة إدلب ومن فيها، وليس موجودا عند من اعتقد ذات يوم أن الأميركان يريدون القضاء على الأسد حتى لو أن كل يوم يتم إثبات العكس، وهو حتما ليس موجودا لدى العالم وإعلامه الذي لا يكاد يذكر المجازر الحاصلة في إدلب إلا من باب رفع العتب.
بقلم: رشا عمران

رشا عمران