كتاب وأراء

أشـــهر إعــلان فـي الــتــاريــخ الــعــربــي

حديثي اليوم يدخل في باب «سلِّ صيامك» وتعلمون أن المعلنين كثيراً ما يلجؤون إلى أغنية مشهورة، فيضعون للحن كلمات جديدة، وربما كان هذا سرقة أدبية، ولكن أحداً لم يؤلف أغنية رائعة الكلمات كإعلان.
تذكرون أغنية «قل للمليحة» التي تغنى بها كثيرون، أشهرهم صباح فخري وناظم الغزالي بلحنين مختلفين، والحقيقة أنها موال ليس له لحن ثابت سوى المقام، ولكن هل تعرفون أن هذه الأغنية إعلان؟.
في القرن الأول الهجري نلقى الشاعر مسكين الدارمي، وكان قد نسك وترك شعر الغزل، وجاء صديق له من الكوفة إلى المدينة بخُمُر يبيعها، (جمع خمار) فنفدت كلها ما عدا السود، وكان في هذا خسارة له، فقصد صديقه الدارمي وشكا إليه، فخرج الدارمي بحلة جديدة وأنشد
قُلْ للمَليحَةِ في الخِمارِ الأسودِ ماذا فعَلتِ بِزاهِدٍ مُتَعبِّدِ
قد كان شمَّرَ للصلاةِ ثيابَه حتّى وقفت له بِبابِ المسجدِ
رُدِّي عليهِ صلاتَهُ وصيامَهُ لا تقـتُليهِ بحَقِّ دينِ محمَّدِ
وتلقف المغنون الأبيات، فقال الناس: لقد فتن الدارمي، فلم تبق في المدينة مليحة لم تشتر خماراً أسود، وسر التاجر، فخلع الدارمي ثيابه، وعاد إلى ما كان فيه من نسك وزهد
لكن ثمة إعلاناً أقدم وأقل شهرة. كان الأعشى من شعراء المعلقات (مات في عام 7 هـ) ولم يسلم، ومرعلى قوم وفيهم رجل يدعى «المُحلـَّق» وكان هذا فقيراً مملقاً، وقيل إنه كانت له ثماني بنات أو أخوات لم يزوج واحدة منهن ولم يكرم المحلق الأعشى حتى حثته زوجه (وقيل عمته) فلحق بالأعشى وأعاده إلى بيته، ونحر ناقته الوحيدة، وأخرجت المرأة مالاً كانت تخبئه، فاشترى زق خمر وأكرمه، وأظهر الفتيات أمامه، وشكره الأعشى ومضى، وننبه هنا إلى أنه كان للمرأة رأي، وربما كان أفضل من رأي الرجل، وننبه أيضاً إلى أن المهر كان يدفع لولي أمر البنت، وبعد أيام قال الأعشى قصيدة طويلة مطلعها.
أرقتُ وما هذا السُّهادُ المؤرِّقُ وما بيَ مِنْ سُقمٍ وما بيَ مَعشقُ
ومدح المحلق بأحد عشر بيتاً منها هذان البيتان، وهما أشهر أبيات المديح
لعَمرِي لقد لاحَتْ عُيونٌ كثيرة إلى ضَوءِ نارٍ في يَفاعٍ تُحَرَّقُ
تُشَبّ لِمَقْرُورَيْنِ يَصْطَلِيَانِها وبَاتَ على النّارِ النّدى والمُحَلَّقُ
أي إن الكرم والمحلق مقترنان حول النار، فلم تمض أيام حتى توافد كبار القوم يخطبون الفتيات لأنفسهم أو لأبنائهم، وظل بيت الأعشى مثالاً حتى كسفه بيت الحطيئة
متى تأتِهِ تعشو إِلى ضوءِ نارِهِ تجِدْ خَيرَ نارٍ عندها خيرُ مُوقِدِ
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: كذب، بل تلك نار موسى عليه السلام.
بقلم: نزار عابدين

نزار عابدين