كتاب وأراء

الرحيل في الوقت الصعب

حدثان يتعلقان به، لا يمكن للسوريين الذين حلموا يوما بالتغيير، وبدولة ديمقراطية مدنية وعلمانية، أن ينسوهما مهما مرت الأيام والسنون، الأول مشاركته في الاعتصام أمام وزارة الداخلية في 16 - 2 - 2011 للمطالبة بالحرية للمعتقلين السياسيين في ذلك الوقت، وما تعرض له من اعتداء جسدي على يد عناصر الأمن السوري، حين سحله أحد هؤلاء في الشارع،
وضرب له رأسه بعامود كهرباء يتوسط ساحة المرجة، حيث تقع وزارة الداخلية، هذا المشهد البالغ الدلالة، من حيث استباحة الأمن السوري لكل شيء،
ومن حيث استباحتهم لأي شخصية مهما كانت، لم يوقف عنصر الأمن عن فعلته.. إن هذا الرجل الذي يقوم بالاعتداء عليه هو رجل وقور في آخر سبعينيته، ولم يتساءل عمن يكون هذا الرجل، هو حتما لا يعرف من هو طيب تيزيني، وفي الأغلب لم يسمع باسمه يوما، إذ لا قيمة في سوريا لأي شخصية فكرية أو ثقافية، لم يكن احترام رجالات الفكر في سياق الوعي السوري، والعربي عموما، الذي يتعامل مع الفكر والثقافة بوصفهما سقط متاع لا أكثر.
الحدث الثاني، هو الفيديو الذي انتشر في عام 2015 لطيب تيزيني، حين كان يلقي مداخلة عن الوضع السوري في مدينة طنجة المغربية، فغالبته دموعه، وهو الثمانيني الجليل، والمفكر الفلسفي الرصين، وبكى علنا من القهر والحزن، بلده المنكوب والمدمر والمدمى، كانت دموعه العلنية وقتها، هي التعبير العفوي عن كيف تلوي طراوة الإنسانية عنق الفلسفة الرصين والجاف، دموع طيب تيزني وقتها، كانت دموع السوريين جميعهم، المشردون واللاجئون والشهداء والضحايا والهاربون في البحر والتائهون في الغابات والأرامل واليتامى والثكالى والمحاصرون والجائعون والمرضى والمعاقون، كانت دموعه هي دموعنا جميعا، نحن الذين شهدنا كيف تحولت أحلام أبنائنا إلى خراب وجنازات يومية ومقابر متنقلة.
ما بين الحدثين، يذكر السوريون له أيضا، مؤتمر الحوار الذي عقد في سوريا في بداية الثورة، وبعد مجازر درعا، والبيان الذي كتبه وقرأه وطالب فيه بتفكيك الدولة الأمنية والإفراج عن المعتقلين السياسيين وكف يد الدولة عن الإعلام، رافعا بذلك سقف مطالب الثورة إلى حدها الأعلى.
يذكر له السوريون أيضا إيمانه بالنضال السلمي، وحديثه عن خطورة التسليح وتحريمه (الإنساني والأخلاقي) للدم السوري، ويذكرون مشاركته في اعتصام الساعة الشهير في مدينته حمص، ويذكرون حديثه عن تحول سوريا إلى بلد موزع ومقسم على مجموعة من الاحتلالات، ووقوفه الدائم مع الشعب المضطهد، ورفضه مغادرة بلده، ومغادرة حمص تحديدا، المدينة المدمرة التي خرج منها عشرات المثقفين والفنانين التشكيليين والكتاب والموسيقيين، ولم يشفع لها لدى النظام هذا الغنى الهائل والتنوع الكبير في مجتمعها الصغير.
وقبل كل ذلك يذكر له المهتمون من السوريين العرب، فكره التنويري ومشروعه النهضوي، وإنتاجه الغزير واستعداده الدائم لمراجعة أفكاره ومناقشتها، واحترامه المذهل للاختلاف الفكري والأيديولوجي، وحديثه عن «(قانون الاستبداد الرباعي) المكون من عناصر الاستبداد بالثروة والاستبداد بالإعلام والحزب المهيمن والاستئثار بالسلطة»، التي يرى أن قوامها هو الدولة الأمنية «التي تسعى إلى أن تفسد من لم يفسد بعد كي يصبح الجميع مدانين وتحت الطلب»! وهو التوصيف الأدق والأمثل للأنظمة العربية وما فعلته عبر عقود طويلة من الزمن، وما عادت لتفعله اليوم بصورة أكثر وضوحا وعنفا بعد فشل ثورات الربيع العربي في موجتها الأولى.
رحل طيب تيزيني المفكر التنويري النهضوي قبل أيام، رحل في الوقت الصعب، في الوقت الذي تحتاج فيه سوريا كل ما تبقى من عقولها التنويرية، رحيله خسارة كبيرة ليس فقط لأنه أحد المفكرين القلائل السوريين الذين يعتد بهم، بل لأنه كان دعامة كبيرة من دعامات الأمان في سوريا، وفي حمص تحديدا، حيث بلغ التوتر الطائفي أشده، كان طيب تيزيني دعامة وطنية وأخلاقية وإنسانية كبيرة، لكنه رحل، كما لو أنه ليس مسموحا لسوريا أن يبقى فيها من يمكن أن يكون قيمة كبيرة، لتبقى ملعبا للفاسدين واللاأخلاقيين والحاقدين والطائفيين واللاعبين بالدم ولقمة عيش الفقراء وتجار السياسة والدم والأخلاق.
بقلم: رشا عمران

رشا عمران