كتاب وأراء

أكل الشوارع يتحدى «وجبات الخواجات»

في عدد ليس قليلاً من عواصم ومدن العالم تجد شوارع متخصصة في تقديم مأكولات يطلق عليها: «مأكولات الشوارع»، ويقال إنها غالباً ما تكون أكلات لذيذة وجذابة؛ حيث توجد عربات مصممة بتصميمات مختلفة، هي مطاعم متنقلة تقدم هذه المأكولات، خاصة للشباب الذي يقبل عليها، ربما لانخفاض أسعارها قياساً على وجبات المطاعم الفاخرة، وربما أيضاً أنها تمثل تمرداً على بروتوكولات المطاعم الأنيقة، فالزبون لا يحتاج إلى قراءة قائمة مأكولات وأسعار طويلة «مانيو» ليختار بينها، ولا يضطر إلى استخدام «فوطة» ولا ملاعق وشوك وسكاكين، بل إن مطاعم مأكولات الشوارع لا تقدم كل منها غالباً إلا أنواعاً قليلة محدودة من الوجبات، خاصة الوجبات الشعبية المشهورة.
المدن السياحية في العالم على وجه الخصوص تغش من بعضها وسائل وأشكال الجذب السياحي، ومنها: «مأكولات الشوارع»، فكثير من السياح يتجهون إلى تخفيض النفقات، تحسباً لمقتضيات السفر والاغتراب، وأيضاً تطلعاً للتعرف على الوجوه الأخرى للشعوب من خلال ما تأكله.
الغريب في الأمر أن ظاهرة «أكل الشوارع» في مدن عربية جاءت على حساب مطاعم الهمبرغر الأميركية؛ إذ لوحظ انخفاض واضح في زبائنها، الذين اجتذبتهم بجدارة عربات أكلات الشوارع الأرخص سعراً، والأكثر تنوعاً في ما تقدمه من مأكولات، بل إن «شرب الخواجات» المعتاد من سلالات المياه الغازية المختلفة استبدل بمشروبات شرقية وإفريقية شهيرة، مثل التمر هندي والكركديه والسوبيا وغيرها.
ولكني في واقع الأمر لا استسيغ أن أتناول طعامي وأنا بالشارع أمشي في طريق عام بين الناس وفي يدي مأكولات أتناولها، فالمنظر غير عاطفي على الإطلاق، فضلاً عن أن وجبات الشوارع لا تتيح التنوع الذي تكون عليه المأكولات في المنازل أو المطاعم، ففي الغالب تكون وجبات الشوارع مجرد سندويتشات فيها قليل متنوع من الحشو المتبل غير العادل في مكوناته، فـ «التوابل تسوي الهوايل» كما يقال، ويصعب القول إن هذه السندويتشات تحوي توازنا في العناصر الغذائية.
احترمت جداً اليابانيين حينما قرأت أن إحدى مدنهم بعد أن نقلت طريقة أكل الشوارع إلى أحد أشهر شوارعها عادت وتراجعت إلى نبذ هذه الطريقة، ليس فقط لأنها تضر بالبيئة بسبب مخلفات هذه الأطعمة، أو لأن آكلي طعام الشوارع لا يكون بوسعهم غسيل ايديهم فور الانتهاء من تناول طعامهم، وقد يظلون بأيدٍ متسخة ناقلة للقذارة لوقت طويل، ولكن لأن تناول الطعام في الشارع سلوك سيئ يتقاطع تماماً مع وجوب احترام الطعام، حيث إن احترام الطعام عادة اكتسبها اليابانيون منذ الحرب العالمية الثانية، إذ ندر حينها الطعام في اليابان وتحول لأمر لا بد من تقديره وعدم التعامل معه بتهاون، كما أن اليابانيين يتناولون الطعام في أطباق لا تكتظ بكميات وافرة من الأطعمة؛ لأن الأطباق الصغيرة تعني سعرات حرارية أقل، على العكس من جيرانهم الكوريين الجنوبيين الذين ستجدهم يقدمون لك أنواعاً من الأطعمة في وجبة واحدة.
بقلم: حبشي رشدي

حبشي رشدي