كتاب وأراء

«23» مايو أيار

في مثل هذا اليوم من العام 795 م تُوفي الإمام مالك بن أنس، الرجل الذي كانت تُضربُ أكباد الإبل إليه لأجل فتوى لِمَا عُرف عنه من سعة الحفظ ودهاء القياس والاستنباط ! ويكفي في هذا المجال قول الشافعيّ عنه، فلا يحفظ فضل الكبار إلا الكبار، قال الشافعي: إذا ذُكر العلماء فمالك النجم !
وضع الإمام مالك كتابه الأشهر الموطأ وهو أول كتاب في الحديث النبوي الشريف، ولكنه لتواضعه وأخلاقه لم يكن يتعصب لرأيه حتى، وكان دائماً يُردد وهو يشير إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم: كُل يُؤخذ منه ويُردُّ عليه إلا صاحب هذا القبر !
ولعلّ أشهر ما قيل عنه: لا يُفتى ومالك في المدينة ! وللمقولة قصة هي:
توفيت سيدة ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺪﻳﻨﺔ ﺍﻟﻤﻨﻮﺭﺓ، ﻭﺟﻲﺀ ﻟﻬﺎ ﺑﻤُﻐسِّلة ﻟﺘﻐﺴﻠﻬﺎ، ﻭﻟﻤﺎ صبَّتْ ﺍﻟﻤﺎﺀ ﻋﻠﻰ ﺟﺴﺪها، ﻗﺎﻟﺖ ﻛﺜﻴﺮﺍ ﻣﺎ ﺯﻧﺖ، ﻓﺎﻟﺘﺼﻘﺖ ﻳﺪ ﺍﻟﻤﻐﺴﻠﺔ ﺑﺠﺴﻢ ﺍﻟﻤﻴﺘﺔ، ﺑﺤﻴﺚ ﺃﺻﺒﺤﺖ ﻻ ﺗﻘﻮﻯ ﻋﻠﻰ ﺗﺤﺮﻳﻚ ﻳﺪﻫﺎ، ﻓﺄﻏﻠﻘﺖ ﺍﻟﺒﺎﺏ ﺣﺘﻰ ﻻ ﻳﺮﺍﻫﺎ ﺃﺣﺪ، ﻭﻫﻲ ﻋﻠﻰ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﺎﻝ، ﻭﺃﻫﻞ ﺍﻟﻤﻴﺘﺔ ﺧﺎﺭﺝ ﺍﻟﺤﺠﺮﺓ ﻳﻨﺘﻈﺮﻭﻥ ﺗﻜﻔﻴﻦ ﺍﻟﺠﺜﺔ.
ﻓﻘﺎﻟﻮﺍ ﻟﻬﺎ ﺃﻧﺤﻀﺮ ﺍﻟﻜﻔﻦ؟ فقاﻟﺖ ﻟﻬﻢ ﻣﻬﻼ، ﻭﻛﺮﺭﻭﺍ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺍﻟﻘﻮﻝ، ﻓﻘﺎﻟﺖ ﻣﻬﻼ، ﻭﺑﻌﺪ ﺫﻟﻚ ﺩﺧﻠﺖ ﺇﺣﺪﻯ ﺍﻟﻨﺴﺎﺀ ﻓﺮﺃﺕ ﻣﺎ ﺭﺃﺕ، ﻓﺄﺧﺬﻭﺍ ﺭﺃﻱ ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﺀ !
بعضهم قال ﻧﻘﻄﻊ ﻳﺪ ﺍﻟﻤﻐﺴﻠﺔ ﻟﻨﺪﻓﻦ ﺍﻟﻤﻴﺘﺔ ﻷﻥ ﺩﻓﻦ ﺍﻟﻤﻴﺖ ﺃﻣﺮ ﻭﺍﺟﺐ، ﻭﻗﺎﻝ ﺑﻌﻀﻬﻢ ﺑﻞ ﻧﻘﻄﻊ ﻗﻄﻌﺔ ﻣﻦ ﺟﺴﺪ ﺍﻟﻤﻴﺘﺔ ﻟﻨﺨﻠﺺ ﺍﻟﻤﻐﺴﻠﺔ ﻷﻥ ﺍﻟﺤﻲ ﺃﻭﻟﻰ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻴﺖ، ﻭﺍﺣﺘﺪﻡ ﺍﻟﺨﻼﻑ.
ثم قال ﻋﻠﻤﺎﺀ ﺍﻟﻤﺪﻳﻨﺔ ﻛﻴﻒ ﻧﺨﺘﻠﻒ ﻭﺑﻴﻨﻨﺎ ﺍﻹﻣﺎﻡ ﻣﺎﻟﻚ ﺑﻦ ﺃﻧﺲ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ، ﻓﺬﻫﺒﻮﺍ ﺇﻟﻴﻪ ﻭﺳﺄﻟﻮه، ﻭﺇﺫﺍ ﺑﺎﻹﻣﺎﻡ ﻳﺄﺗﻲ ﻋﻠﻰ ﺟﻨﺎﺡ ﺍﻟﺴﺮﻋﺔ، ﻭﺑﻴﻨﻪ ﻭﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﻐﺴﻠﺔ ﻭﺍﻟﻤﻴﺘﺔ ﺑﺎﺏ، ﻭﺳﺄﻟﻬﺎ ﻣﻦ ﻭﺭﺍﺀ ﺣﺠﺎﺏ ﻭﻗﺎﻝ ﻟﻬﺎ: ﻣﺎﺫﺍ قلتِ ﻓﻲ ﺣﻖ ﺍﻟﻤﻴﺘﺔ ؟
ﻗﺎﻟﺖ ﺍﻟﻤﻐﺴﻠﺔ: ﻳﺎ ﺇﻣﺎﻡ ﺭﻣﻴﺘﻬﺎ ﺑﺎﻟﺰﻧﺎ.
ﻓﻘﺎﻝ ﺍﻹﻣﺎﻡ ﻣﺎﻟﻚ: ﺗﺪﺧﻞ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﻨﺴﻮﺓ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﻐﺴﻠﺔ ﻭﺗﺠﻠﺪﻫﺎ ﺛﻤﺎﻧﻴﻦ ﺟﻠﺪﺓ ﻣﺼﺪﺍﻗﺎ ﻟﻘﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ «ﻭﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﺮﻣﻮﻥ ﺍﻟﻤﺤﺼﻨﺎﺕ ﺛﻢ ﻟﻢ ﻳﺄﺗﻮﺍ ﺑﺄﺭﺑﻌﺔ ﺷﻬﺪﺍﺀ ﻓﺎﺟﻠﺪﻭﻫﻢ ﺛﻤﺎﻧﻴﻦ ﺟﻠﺪﺓ ﻭﻻ ﺗﻘﺒﻠﻮﺍ ﻟﻬﻢ ﺷﻬﺎﺩﺓ ﺃﺑﺪﺍ ﻭﺃﻭﻟﺌﻚ ﻫﻢ ﺍﻟﻔﺎﺳﻘﻮﻥ»، ﻓﺪﺧﻠﺖ ﺍﻟﻨﺴﺎﺀ ﻭﺟﻠﺪﻥ ﺍﻟﻤﺮﺃﺓ ﺍﻟﻤﻐﺴﻠﺔ ﺍﻟﻘﺎﺫﻓﺔ، ﻭﺑﻌﺪ ﺗﻤﺎﻡ ﺍﻟﺜﻤﺎﻧﻴﻦ جلدة، ﺭﻓﻌﺖ ﻳﺪﻫﺎ ﻋﻦ ﺟﺴﺪ ﺍﻟﻤﻴﺘﺔ!
ﻭ ﻣﻦ ﻫﻨﺎ ﻗﻴﻞ ﻻ يُفتى ﻭﻣﺎﻟﻚ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺪﻳﻨﺔ !
فاتقوا الله في أعراض الناس!
بقلم: أدهم شرقاوي

أدهم شرقاوي