كتاب وأراء

درامَا وبرامِج تعكِس أخلاقِيَّات الشوارِع المُظلمَة (2 - 2)

ان الإعلام السلبي يجعل التديُّن تخلُّف ورجعيَّة، واللصوصيَّة بطولة، والغدر كياسة، والخيانة فطانة، والاحتيال ذكاء، والعُنف هو أقصر الطرق لتحقيق المآرب، وعقوق الآباء تحرُّر، وبرُّ الوالدين ذل، والزواج رق واستعباد، والنشوز حقّ، والعفَّة كبت، كما أنَّ هذه المواد قد تقوم بإثارة الغرائز الجنسيَّة، وتشجيع انتشار الرذيلة، والترويج لشرب الخمور، وتناول المسكرات، وتعاطي المخدرات، ولا يكون ذلك بإعلانات مباشرة، ولكن بالتضمين والإدراج والإيحاء، في سياق المحتوى الإعلامي الذي يجعل من هذه الانحرافات شيءًا شهيًا مغريًا يحفِّز الإنسان لتجربته.
إنَّ المواد الدراميَّة والتليفزيونية هي محطات وقتية هامة في جدول البث التليفزيوني (الأرضي والفضائي) لأي شبكة تليفزيونية على وجه الأرض، عدا تلك القائمة على بث الأغاني أو الأفلام عبر شبكات تخصصية ضمن باقة من القنوات المنوعة لنفس المحطة، وفي الحقيقة جُل ما يشد المتابعين لأي محطة هي اهتمامها بتنويع موادها الدراميَّة والبرامجيَّة في خريطة بثها الدورية، بحيث تستقطب جميع الشرائح أو حتى أغلب الشرائح العمرية وأصحاب الذائقة النوعية، لذا نجد أنَّ الغالبية في فضائنا العربي يجنحُ إلى النشاط والتميُّز في فترة الذروة التليفزيونية وهي مواسم (رمضان والعيدين والمناسبات الوطنية والعالمية) خاصة وأنَّ جيوب الإنتاج تكون مليئة بالميزانيات التي تبُخُّ بها على هذه المحطات، أيًا كان نوعها، بهدف الترويج الدعائي أولًا وبهدف مآرب براغماتية أخرى ثانيًا، ولمّا كانت هذه المواسم هي ذروة الاتِّقاد والاشتعال لكلِّ ما هو إبداعٌ وفنٌّ في تقديم مضامين وأساليب دراميَّة وبرامجية مبهرة للجمهور، نلاحظ أنَّ الصرعة الجديدة باتت أكثر إفلاسًا، حيث لا جديد يقدَّم إجمالًا؛ رغم أنَّ قاعدة التعميم فاسدة، إلا أنَّ هذا الإجمال الذي أتحدث عنه يكادُ أن يعمَّ الأصقاع إلا ممن رحم ربي!
إنَّ العتب الشديد يقَعُ على صُناع الدراما والبرامج الهابطة التي تقدم على أغلب الفضائيات العربية؛ فهؤلاء يعلمون بلا شك تأثير هذه المواد على الجمهور بشكلٍ مباشر وترويجها لثقافاتٍ دخيلة وسطحيَّة، مع إصرارهم على إنتاج المزيد من الدراما المؤدلجة أو البرامج الغنائية الهابطة أو برامج المسابقات التافهة أو الفوازير المليئة بالإيحاءات الخادشة، ناهيك عن البرامج التي تسلُبُ لُبَّ المشاهد، التي تُبنى على الفضائح أو على خديعة الضيوف والمشاهير والفنانين والضحك على عقول الجميع تحت ستار (التسلية) والجمهور هكذا يريد!
إنَّ مرحلة العتب وكل هذا التنظير الذي نقوم به نحنُ الكُتّاب والنُقاد في آثار مثل هذا النمط الدرامي البرامجي يجب أن يتطور ويدخُلَ حيِّز التطبيق، بحيثُ لا يسمَحُ مُلاك هذه القنوات أيًا كان توجهها بعرضِ مثل هذه التفاهات في المدة الزمنية التليفزيونية وألا يتم حشوُ فضائهم بأي شيءٍ كان، ليسُدّوا الوقت المترقب فحسب، كما يجب على الجهات المسؤولة أن تتدخل لإيقاف هذه المشاريع الدراميَّة والبرامجية الهابطة، والأهم من ذلك إجهاض مثل هذه الأفكار التليفزيونية ومطاردتها قبل أن تصل إلى الشاشات وتلعب في عقل المشاهد بمختلف مستوياته الفكريَّة والعمريَّة.
بقلم: خولة مرتضوي

خولة مرتضوي