كتاب وأراء

صراع الغاز بين واشنطن وموسكو

المعركة التنافسية في الاستحواذ على مكامن الغاز الطبيعي وتسويقه، ترتفع وتيرتها من يومٍ لآخر. فالمعطيات المتوفرة تُشير، أن هناك ارتفاعا ملحوظا في الطلب العالمي على الغاز في العام الحالي عن العام الذي سبقه بنسبة 3,3%، ليَزيد الاستهلاك عن ثلاثة آلاف وأربعين مليار متر مُكعّب، وزاد من ذلك أن جمهورية الصين الشعبية عمدت إلى زيادة استهلاك الغاز بدل الفحم الحجري لتوليد الكهرباء الضرورية لصناعاتها، بهدف تخفيف حدة التّلَوّث، فارتفع بذلك الطّلب على الغاز في الصين الشعبية بنسبة 15% منذ العام 2017، فيما بلغ الإستهلاك نحو ثلاثين مليار متر مكعّب. كما ارتفع استهلاك الغاز في الوطن العربي وفي إفريقيا، وزاد حجم استخدامه لتوليد الكهرباء، بسبب رُخْصِ سِعره (مقارنة بالنّفط) وانخفاض حجم التلوث عند استخدامه، ويتوقع أن يتواصل الطلب القوي على الغاز حتى منتصف القرن الواحد والعشرين، قبل أن تحل مَحلّه الطاقة المستدامة (الشمس والرياح والمياه...).
قطبي الصراع والتنافس على تجارة وتصدير الغاز، روسيا ولولايات المتحدة، حيث استخدمت الولايات المتحدة، الغاز الصّخري لمنافسة الغاز الروسي في الأسواق العالمية، وخُصُوصاً في آسيا وأوروبا، كما كَثّفت روسيا وأمريكا وكندا وغيرها عمليات التنقيب في المناطق الجليدية القريبة من القُطْب الشّمالي، فيما شَقّت روسيا طريقًا جديدة داخل المناطق الثلجية، نحو المحيط الهندي، لاختصار المسافة التي تقطعها السّفن المُحملة بالغاز بنسبة 50%. فأوروبا تتزود بنسبة تفوق 30% من احتياجاتها بالغاز الروسي المُسْتَخْرَج من غرب سيبيريا، والذي يمر جزء منه عبر خطوط أنابيب ضخمة وطويلة المدى تم إنشاؤها قبل أكثر من ثلاثة عُقُود، قبل اتفاق روسيا وألمانيا على تشييد خطين لأنابيب الغاز بِطاقةٍ قدْرُها 55 مليار متر مكعب سنويا (نورث ستريم 1 و2) لربط ألمانيا بِرُوسِيا مباشرة (دون المرور بأوكرانيا)، عبر بحر البلطيق، وأصبح هذا المشروع مُسْتَهْدَفًا من الولايات المتحدة التي تريد الإستحواذ على سوق الغاز الأوروبية.
وفي الجانب المتعلق بالنفط السائل، من المعروف أن الولايات المتحدة تعتبر من أكبر منتجي النفط في العالم، بفضل انخفاض تكاليف إنتاج النّفط الصخري، ولكن الولايات المتحدة تحتل المرتبة الأولى أيضًا بخصوص الإستهلاك بنحو 20% من إجمالي الإستهلاك العالمي، فيما تُقَدَّرُ احتياطياتها بنحو 33 مليار برميل، واحتياطيات روسيا بنحو 80 مليار برميل.
وفي هذا السياق، يرفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب الإمتثال لقانون العرض والطلب بشأن الطاقة، فيتدخل ليشتري الاتحاد الأوروبي الغاز الصخري الأميركي، بدل الغاز الرّوسي (وهو أقل ثمنًا وأعلى جودة من الغاز الأميركي)، ويضغط على غالبية مجموعة الدول المُصَدِّرَة للنفط الــ (أوبك) لكسر قواعد المنظمة التي تُحَدّد حصة كل دولة كما هو معلوم (بالتعاون مع الدول غير الأعضاء، لتَجَنُّب تضارب المصالح)، وبزيادة الإنتاج، وتعويض الإنتاج الإيراني الذي يخضع للعقوبات الأميركية، بهدف خفض سعر برميل النفط الخام، وبذلك يتدخّل الرئيس ترامب في سيْر آلِيّات السّوق اعتقادًا منه بأن الولايات المتحدة قادرة على فَرْضِ سيطرتها على العالم، في مجال النفط والغاز.
بقلم: علي بدوان

علي بدوان