كتاب وأراء

العيد فرحة.. ولكن!

لقد انقضى رمضان المبارك واقترب العيد، وقد كُتب عن رمضان آلاف الصفحات، وقيل في أجهزة الإعلام الأخرى ما يملأ آلاف الصفحات أيضاً، بعضها مفيد وضروري ولازم، وبعضها كلام يُعاد كل عام، ومعظمه من أبسط المعارف التي يجب أن يعلمها المسلم، فمبارك عيدكم، ومبارك لهذا البلد الآمن الأمين الكريم، أميره وشعبه وحكومته، وكل عام والجميع بألف خير.
تتكرر في شـهر الصوم عبارة «سـلِّ صيامك» (ويقولها العامة وبعض المتعلمين: سلـّي صيامك) ولا شـيء يمنع التسـلية في رمضان وغيره «روِّحوا القلوب سـاعة بعد سـاعة فـإنها تَكلُّ كما تكلُّ الأبدان» ولكن الخـلاف في نوع الـتسـلـيـة، هـل انحـصرت التسـلـية بالفكاهة والمزاح ومتابعة المسلسلات؟ أليس في القراءة تسلية والكتاب خير جليس؟ حتى قراءة القرآن يمكن أن تكون ترويحاً، لا نعـترض على التسلية، لكن على وسائلها.
قلت لنفسي: ليس غريباً أن تكون شــبه وحيـد في رمضان لا يحب الآخرون الجلوس معك، تظل صامتاً أو تحدثهم عن معاني الشهر الكريم، عن آية لفتت انتباهك في الـقـرآن الكريم، عن إعـجاز القرآن وبلاغـته وفـصاحـته، عن بلاغة رسول الله صلى الله عـليه وسلم، وطرائف الصحابة الكرام، عن الأحاديث الشـريفة، وكيف نقيس عليها ونستنبط الأحكام منها، لا تجتـر معهـم الذكريات المكررة والحكايا المضحكة، ولا تناقش معهم المسـلسـلات، فكيف سـيطيقون وجودك بينهم؟
والعيد فرحة، بل هما فرحتان، كما قال، صلى الله عليه وسلم،: «للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه:» ولكن!
كيف أفرح والشاشات تصفعني ليل نهار بمشاهد الخراب والدمار في بلدي؟ كيف أفرح وبلدي يقسّم جهاراً نهاراً ويتواطأ الجميع على تدميره؟ كيف أفرح وقد قُتل من شعبي نصف مليون إنسان، وتشرد نصف الشعب إما في الداخل هرباً من القتال أو في المنافي البعيدة من أستراليا إلى كندا وتشيلي؟ كيف أفرح وقد صارت المأساة السورية الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية؟ كيف أفرح والجميع يتآمرون على هذا البلد الجميل، والعالم كله منافق؟ كيف أفرح ونصف مليون من إخوتي مهددون بالموت جوعاً حتى إنهم أكلوا الحشائش وأوراق الشجر وقد مات منهم الكثير؟
لكنني سأفرح. سأفرح مع الأطفال داعياً المولى ألا يذيقهم عشر ما ذقنا، وهنيئاً لمن كان له أطفال وأحفاد ينظر إلى فرحهم، وينسى ولو لحظات كل ما يبعث الحزن والقهر والاكتئاب. وسأفرح لأنني مؤمن بهذا الشعب وهذه الأمة، ومؤمن بأنها ستنهض كطائر الفينيق من تحت الرماد، وتعيد بناء كل جميل، وأدعو الله سبحانه أن يمد في عمري قليلاً لأشهد أمتي وقد استفاقت، وبلدي قد عاد كما كان.
بقلم: نزار عابدين

نزار عابدين