كتاب وأراء

«مو صلاح» والاستعمار القديم والحديث

كان من أبلغ التعليقات على المباراة النهائية لابطال أوروبا، التي أقيمت قبل يومين، وجمعت فريقي ليفربول وتوتنهام، ما كتبه أحد الأصدقاء المصريين على الفيسبوك بعد فوز فريق ليفربول بالكأس:
(إنت فين يا سعد زغلول باشا تشوف المصريين وهم بيحتفلوا بالإنجليز وشايلين أعلامهم) !، إذ كانت مصر كلها تقريبا، تشاهد تلك المباراة وتشجع الفر يق الإنجليزي العريق (ليفربول) ليس فقط لأن هناك علاقة قديمة ووثيقة للمصريين بكرة القدم، وانقسامهم الكبير أصلا بين أهلاويين وزملكاويين، وليس فقط لأن كرة القدم ارتبطت بالوعي المصري بالانتصارات والهزائم، وليس فقط أيضا لأن كرة القدم يتم استخدامها، تاريخيا، في اللعبة السياسية المصرية التي تعرف كيف تجيش جماهير هذه الكرة بالأوقات التي تختارها، وبالتالي هي جزء من تكوين الوعي المصري والذاكرة الجمعية للمصريين عموما، ولكن لأن شابا أسمر مصريا من البيئات الشعبية الفقيرة استطاع أن يصل إلى العالمية ويكون أحد نجوم العالم بعد أن اشتراه نادي ليفربول، ووصل معه إلى النجومية والعالمية والشهرة والغنى، وهو ما لم يتح لأي عربي، على أي مستوى، أن يصل إلى هذه المكانة بجهده الشخصي، وبدون أي دعم أو رافعة لا مالية ولا شعبية ولا رسمية.
فمسيرة اللاعب محمد صلاح أو (مو صلاح) كما بات يلقب، هي مسيرة الشاب العصامي بكل معنى الكلمة، فهو لم ينل أي حظ في بلده، ورفضته النوادي المصرية العريقة وتم الاستهزاء به وبقدراته، لكنه لم يستسلم واستطاع الوصول إلى أعلى مرتبة يمكن أن يصل إليها شاب في سنه، حتى بات اسمه يوضع مع أعرق لاعبي كرة القدم في العالم، وحتى أن اسمه جعل من جمهور نادي ليفربول أضعافا مضاعفة، وحتى أن الأطفال في إنجلترا، باتوا يقلدون سجوده شكرا لله، إثر كل هدف يسجله لفريقه، وحتى أن هناك مجسما ذهبيا لحذائه الرياضي في المتحف الإنجليزي، هل يعرف أحدكم عربيا آخر وصل إلى هذا المجد الذي وصله مو صلاح وحققه بموهبته وتصميمه وإرادته؟!
هل محمد صلاح استثنائي، من حيث الموهبة والقدرة، في بلاد العرب؟! يخيل إلىّ أن تجربة صلاح تدل على أن بلادنا مليئة بالموهوبين، لكنهم مدفونون تحت طبقات القهر والفقر والإقصاء وعدم الاهتمام والقمع والخوف من المبادرة، نتيجة الخذلانات الطويلة واليأس وانعدام الفرص والرعاية الحكومية، ولكن ما أن تتاح لأحدهم فرصة للظهور ويتم تقدير موهبته ورعايتها، ويتاح له تدريب مكثف، ويشعر أن هناك احتراما لإنسانيته وفرديته وقناعاته، حتى يطلق كل إبداعه وموهبته بكل ثقة وحب وطمأنينة ليست متاحة، للأسف، في بلادنا، إذ ثمة قيود توضع على أي مبدع، سياسية واجتماعية واقتصادية تلجم قدرته على العطاء والفعل والتفرد والتميز.
الأمر لا يتعلق بالمصريين فقط، بل بكل العرب، من حيث الإحساس بالعجز للمبدعين من العرب من جهة، ومن حيث التعلق بمو صلاح واعتباره نموذجا يحلم كثر أن يكونوا مثله، فهذه البلاد تدفن أبناءها، تقتلهم، تقهرهم، تفعل كل ما يمكن كي تجعلهم غير مرئيين، وتصر على جعلهم يعيشون الهزائم، هزيمة تلو اخرى، حتى لم يعد أمام أبناء هذه الأمة وشبابها سوى الظلام واليأس والخوف من القادم، الذي يزداد سوءا عاما وراء آخر، هل لهذا السبب، يتجمع العرب، أينما كانوا ولأي دولة انتموا، أمام الشاشات تشجيعا لفريق ليفربول الذي لا تربطهم به أية صلة سوى هذا الشاب الأسمر المصري الوسيم المتواضع، بشعره الأشعث، وبحجاب زوجته الذي لم يكن عائقا أمام تحول زوجها إلى أسطورة، وباسم ابنته الصغيرة ذو الدلالة الدينية الواضحة، والتي باتت مثيلاتها من الطفلات البريطانيات يقلدنها في ملبسها وتسريحة شعرها، هل نتيجة الهزائم العربية الأزلية في كل شيء، يشجع العرب محمد صلاح ؟! هل التوق إلى رؤية انتصار واحد لأي عربي، حتى لو لم يكن ضمن المساحة الجغرافية العربية، يجعل العرب جميعهم ليفربوليين ويرفعون أعلام ليفربول وإنجلترا في لحظة ما، متناسين التاريخ الاستعماري البريطاني لبلادنا والنضالات ضدها؟! أم أن تعريف مصطلح (المستعمر) يجب أن تتم إعادة النظر فيه بعد ما حدث في بلاد العرب خلال السنوات العشر الماضية؟!.
بقلم: رشا عمران

رشا عمران