كتاب وأراء

خلافات حادة بأرض التناقضات.. التغريبة العربية.. ماذا بعد؟!

المتابع لما يجري على الرقعة الجغرافية للوطن العربي يشعر وكأنه قد كتب على المنطقة العربية بوجه خاص أن تكون الموطن الرئيسي لأعنف النزاعات وأشد الخلافات وأرض التناقضات بصورة أعقد وأعمق عن غيرها من مناطق العالم الذي بات بما ينشب في أرجائه الأربع من أحداث وما يترتب عليها من تحالفات وصراعات بأشكال متعددة موطنًا للجنون المغلف بمنطق المصالح بشتى طرقها وأساليبها،
وتميزت منطقتنا العربية المنكوبة بثرواتها الضخمة فوق الأرض وتحتها بأنها أصبحت أرض العجائب يختلط فيها كل شيء ونقيضه، كل أمر وضده لتتكون عوامل ضغط انصهرت وذابت تحت وطأتها سبل السلام والهدوء في كثير من دول المنطقة لتتحول تدريجيًا وفي العقود الثلاثة الأخيرة بالأخص ليعيش جُلَها ما يمكننا أن نطلق عليه التغريبة العربية.
لعل مصطلح التغريبة بحد ذاته ارتبط في ذهنية المواطن العربي بالقضية الفلسطينية والصراع العربي- الصهيوني وما استتبعه من موجات نزوح متعددة لأهلنا في فلسطين بوجه خاص خارج حدودها، ولكني أسطر هنا ما يجول في خاطري كمواطن عربي أكثر منه ككاتب وصحفي جل اهتماماته تتعلق بالأحداث السياسية وتوابعها أكثر من غيرها، وربما يكون هذا منبعه أن السياسة وحساباتها المصلحية دون غيرها هي الدافع والمحرك الرئيسي لما تعانيه المنطقة وشعوبها التي أصبح أغلبها لديه من العوامل والمؤثرات التي فرضت عليه فرضًا في كثير من الأحيان ما يجعلها تشعر بالتغريبة تسكن داخلها وتخيم فوقها وتطبق عليها من الجهات الأربع.
أعياد تتزامن مع مآسٍ، خلافات تتطور لنزاعات، حروب هنا ومجاعات هناك، لاجئون ونازحون تعجز السجلات عن حصر أعدادهم فما بالك بما يحدث لهم من آلام ومعاناة، حدود تحولت ولا تزال إلى ما يشبه الأسوار شغلت من ورائها عن ما يحدث على الجانب الآخر منها، ماذا حدث لنا، أين كنا وإلى أين أوصلنا، ألهذه الدرجة شغلنا ببعضنا عن بعضنا، أصبحنا أعداءنا بعد أن انحرفت بوصلة من يفترض بهم أن يكونوا هم أكثر الناس دراية بالخصوم الفعليين الذين اختلفوا في كل شيء تقريبًا واتفقوا فرادى وجماعات، دول ومؤسسات، كيانات ولوبيات على جعل المنطقة العربية وما تعج به من ثروات ومقومات وإمكانيات بمثابة الجائزة والاختلاف فقط على كيفية تقاسم تلك الجائزة.
التغريبة العربية ظهرت في أوضح صورها عندما انعقدت قمتين عربية وخليجية لهم الصفة الطارئة وتعقبهما ثالثة إسلامية في مكة المكرمة ولا نجد على رأس جدولها قضية فلسطين الجرح العربي النازف منذ سبعة عقود ولا حصار قطر أو معاناة الشعب اليمني وكارثة الشعب السوري، ولا دماء الشعب الليبي أو حقوق الشعب المصري وتطلعات الشعب السوداني، عندما تجد العديد من المقاعد في تلك القمة محل خلاف وصراع حول من له أحقية الجلوس عليها وتمثيل الشعوب صاحبة الحق الأصيل في بلدانها ولكن فرض عليها بقوة السلاح أن يغتصب تمثيلها من هم السبب الرئيسي في تخلفها وقهرها وإسالة دمائها، فنجد من انقلب وقتل وانتهك واغتصب وشرد وشتت وفعل بشعبه ما يشيب له الوليد يتم استقباله على السجادة الحمراء في أرض الحرمين الشريفين وهي نفس السجادة المصبوغة بلون الدماء التي سالت في دول الربيع العربي الذي تمت وأد ثوراته وإجهاض أحلام شعوبه في الحرية والعدالة بأموال ومؤامرات سعودية- إماراتية في غالبيتها.
التغريبة العربية تجدها في السعي الحثيث لتصفية القضية الفلسطينية بكل السبل وتهويد القدس الشريف وجعل اللاجئين الفلسطينيين نازحين دائمين بمحاولة نزع حق العودة والتضييق على المنظمات والجمعيات القائمة على خدمتهم، ومن المخجل أن تجد هذا يتم في ظل صمت الغالبية وتواطؤ البعض سياسيًا واقتصاديًا واستخباراتيًا مع الكيان الصهيوني في صورة مخزية خرجت للعلن واتضحت أطرافها بعد أن كان يتم هذا خلف الأبواب المغلقة على الأقل وتعمل تلك الأطراف على محاربة أي دولة عربية تحاول المساعدة قدر الإمكان، ونتائج ثورات الربيع العربي بما أعقبها من انقلابات ونكسات والأزمة الخليجية وحصار قطر تجعل من السهولة معرفة من يقف بل يتحالف مع الكيان الصهيوني من الدول العربية لسحق وتمزيق حقوق الشعب الفلسطيني تحت عجلات قطار التطبيع.
بقلم: جمال الهواري

جمال الهواري