كتاب وأراء

قـمـة مـــكـة حسابات الرياض الخاطئة

توحي رسائل السياسة السعودية، في الموقف مع قطر بعد قمة مكة الخليجية، إلى أزمة عميقة في فهم الموقف السياسي، من الأحداث التي قادتها الرياض، وسياستها العنيفة المتطرفة، منذ أن اعتمدت رؤية أبو ظبي كمرشد نهائي، يُحدد خطها الدبلوماسي والسياسي.
والذي يتابع من موقع المراقب، يتبين له أن مجرد إعادة تقييم المرحلة السابقة، لا يوجد له أرضية صلبة، رغم تأثيراتها الكارثية، بل حتى لو اعتبرت الرياض الجديدة، أن سياستها ناجحة لخلق واجهة مختلفة، لدولة حديثة لتولي ولي العهد الحكم، فإن من الضرورات السياسية، أن يُعيد فريق مقتدر قراءة المشهد، وهذا ما لا يوجد أي دلائل عليه.
وفي متحف قطر الوطني الذي افتتح حديثاً، استدعت حكومة قطر، إعادة صياغة تاريخها الوطني، والسياسي والاجتماعي الذي سيُشرح للأجيال، وهي قضية من الواضح أن ولي العهد السعودي وفريقه، لا يعطونها أي اعتبار، ولا يعرفون أن هذه الجراح المعادية، للشعوب لا تندمل، بل قد تتحول إلى قاعدة تاريخية، تؤثّر على سياسات الدول وموقفها، من المركز الذي هاجمهم واستهدفهم، وهو هنا الرياض.
وقبل أن أستطرد، أشير إلى أهمية التذكير، بروابط الشعب العربي في الخليج، وأن لديه القدرة على تجاوز هذه المحن، وكارثة اللغة المنحطة والمسيئة التي فجرتها أبو ظبي والرياض، في الأزمة، وأن دور المثقف المخلص، يظل يعمل على عزل سموم السياسة، عن روابط شعوب المنطقة، المتصلة إسلاميا وعروبيا واجتماعية.
غير أن ذلك يختلف في تقدير مواقف الدول، حين تنتهج سياسات عنيفة، وإعلانات كبرى لتوجهاتها المعادية لأي دولة ومجتمع، وتعيد استدعاء مخاوف كبيرة ارتبطت بتاريخها القديم، هي مضرة جداً بصورتها الحديثة، ومستقبل صناعة الثقافة القومية لبلدها، ولإقليمها العربي، وهذا بالضبط ما تبين أن الحد الأدنى، مفقود لدى فريق الرياض الجديد، لتقييم الموقف القطري لمصالح الرياض نفسها، قبل مصالح قطر.
إن تجسّد الرسالة الاجتماعية القوية، لرئيس مجلس الوزراء القطري، الشيخ عبد الله بن ناصر وجفافها، هو أمرٌ طبيعي جداً، ولا يتعارض مع كون تفويض الأمير الشيخ تميم له، كان رسالةً إيجابية للدور الكويتي الجديد، الذي أوقف وأعيق كثيراً من الرياض وأبو ظبي، لو كانت السعودية الجديدة، تريد أن تخرج من الحصار السياسي والإعلامي، الذي خلقته لنفسها في الخامس من يونيو 2017.
لا يوجد أدنى شك، أن القلق السعودي والتوتر الإعلامي، وتكليف الوزير الجبير بمهاجمة الموقف القطري، والصب الإعلامي المستمر في استهداف قطر، يُشير إلى مأزق سعودي عميق، وأن الأزمة كبيرة جداً، بحسب ردّات فعل الرياض، وبحسب استمرار المشروع السعودي الضخم، في السوشيال ميديا، وفي الإعلام التقليدي المختلف، وقد أثر ذلك على توقع الرياض الخاطئ، لموقف مختلف من الدوحة يمثله الشيخ عبد الله بن ناصر، وهو يدل على هشاشة كبيرة في وعي الحدث.
إن من الطبيعي جداً، أن يخرج موقف قطر بهذه الصرامة، كيف وقد أُعلنت كل الخطط المعادية ضدها رسمياً، إما ببلاغ حكومي، أو بشخصيات كبرى، مكلفة رسمياً، في استهداف قطر والقطريين، فضلاً عن المشهد الأخلاقي الكارثي، الذي أصبح عليه الشعب العربي في الخليج، من التوحش الاجتماعي، على كل المستويات برعاية ودعم سعودي رسمي متتابع، في أول الأزمة، واستمرار تشريعات قطع الأرحام إلى اليوم.
إن عودة تقييم قطر، للتاريخ الاجتماعي السياسي لساحل الخليج العربي، واستدعاء ذاكرة (غزو) السعوديين، لكامل ساحل الخليج العربي، ومصطلح الغزو، هو مصطلح مؤرخي الدولة السعودية الرسمي، للكتب المعتمدة منها، تشرحه كلمة المفتي الأسبق عن سُنة الساحل: (ما شرق من الدّهنَا ما ثبت إسلامهم لدينا)، ويُشير إلى مأزق عميق للغاية، صنعته السعودية لنفسها.
ولغة الصحافة والسوشيال ميديا الخاص بها، ضد قطر والكويت يربط القديم بالجديد، ومن الواضح أنه لا يوجد مطلقاً، أي وعي سعودي رسمي لما جرى، وكيف تصحح الرياض كارثتها، هذا لو أرادت؟
بقلم: مهنا الحبيل

مهنا الحبيل