كتاب وأراء

10 يونيو.. الهزيمة

الساعة الثامنة فجرا هرولنا سيراً على الاقدام إلى مقر قيادة الجيش الغربية التي كان مقرها في بلدة بني تميم (النبي صالح) لنجد الدبابات التي ترفع أعلاما عربية محيطة بالقيادة.. هللنا وكبرنا فهذه اعلام خمس عشرة دولة عربية أعلنت مشاركتها في حرب حزيران من الجزائر إلى الكويت.. اقتربنا اكثر مرحبين مهللين وإذا بالجنود المدججين بالسلاح المخفية وجوههم يبتسمون ولا ينطقون فبدأنا نتساءل من أي جيش أنتم من الجزائر ام تونس ام مصر ام ليبيا ام المغرب ام العراق ام الأردن ام الكويت ام السودان ام السعودية ام سوريا ام لبنان.. فازدادت قهقهتهم. فهمس جندي في اذن الضابط بالعبرية..(تيبلم תגיד להם ). فهز الضابط رأسه بالنفي.. وكان بيننا رجل لاجئ سبق وعاش مع اليهود قبل النكبة ففهم ما دار بين الضابط والجندي. فقال لنا هذا جيش اسرائيلي.. تراجعوا.. فالجندي تحدث بالعبرية طالبا ابلاغنا فرفض الضابط.
أفقنا من حلم الانتصار في مثل هذا اليوم قبل اثنين وخمسين عاما ليسجل التاريخ الهزيمة الثانية لأمة عربية جهزت نصف مليون جندي مقابل خمسين ألف جندي صهيوني.. وكانت كفة التجهيزات والعدد تميل لأمة العرب التي لم تحسن استخدامها بل فشلت في ادارتها..
عدنا إلى دير غسانة نقف على التلة المطلة على البحر الابيض وأمام أعيننا طائرات الميراج الفرنسية تهبط في مطار بن غوريون بسلام بعد ان انهت مهمتها على الجبهات الثلاث.. ساد الضفة الغربية صمت ملفوف بعتمة الليل.. حصار من كل النواحي حتى وصل سعر السيجارة 3 دولارات وكيس الطحين الذي كان بدولارين إلى 50 دولارا.. وبدأت حالة جديدة من التنازع خوفا على الشباب وقتلهم الجماعي.. وخوفا على البنات من الاغتصاب.. لكن كان موشي دايان القائد العسكري الاسرائيلي يجوب المدن والقرى مبشرا بفتح الجسور ذهابا وايابا إلى الأردن ومد يده للفلسطينيين للعيش في كنف دولة واحدة.. وجاء النواب العرب يشرحون ما حصلوا عليه من مزايا اكثر مما حصل عليه الفلسطينيون لدى العرب.. ليخرج عبد الناصر مجددا بلاءات الخرطوم (لا صلح لا اعتراف لا تفاوض).. وهذه الاخيرة التي كانت سلاح إسرائيل اذا لم يكن هناك تفاوض فليس هناك حقوق..
وسأل عبد الناصر وزير أوقافه عبد العزيز كامل: لماذا خسرنا المعركة.. رغم كل ما أعددناه لها.. فرد عبد العزيز.. سبب خسارتنا ضعف الايمان بالله ضعف الايمان بالقتال ضعف الايمان بالقضية... اعمل على تقوية الإيمان تكسب المعركة المقبلة.
في مثل هذا قبل خمسة عقود ونيف فقدنا الأمل بالامة العربية.. وللاسف جعلونا نفقد الأمل بالثورة.. وأفرغوا الانتفاضة.. وأفقدونا الأمل بسلاحنا الاستراتيجي الحجارة.
قال لي عبد العزيز كامل: تحرير فلسطين لن يكون عربيا.. تحريرها سيكون من خلف النهر إذا لم يتآمر العرب على خلف النهر.
كلمة مباحة:
قالت لي المجندة البضة.. لا تنزح.. تكسب.. صدقت وهي كاذبة.
بقلم: سمير البرغوثي

سمير البرغوثي