كتاب وأراء

الساروت والثورة الشهيدة

خبر موت الساروت، بعد إصابته بمعارك حماة الشرقية ضد النظامين السوري والروسي، يؤكد تماما أن التنظير عملية سهلة، يحتاج فقط فصل نفسك عن الآخرين وظروفهم وحيثياتهم ثم ابدأ الكلام عن نظريتك، أو عما ترى أنه هو الصواب والحقيقة.
عبد الباسط الساروت شاب من مدينة البياضة التابعة لمدينة حمص، ولد عام 1992، أي حين بدأت الثورة كان في بداية سنته الثامنة عشرة، كان شابا صغيرا، أو بالأصح مراهقا، يلعب كرة القدم مع فريق الكرامة السوري للشباب، كان حارس المرمى، وكان شابا موهوبا جدا، وربما لو كان الظرف مختلفا في سوريا، لكان نجما كرويا عالميا، كانت للساروت أحلامه حتما، كأي شاب في سنه، وهو الذي لم يكمل تعليمه، نتيجة الفقر، فهو ينحدر من أسرة نزحت من الجولان المحتل إلى البياضة واستقرت هناك، أسرة بسيطة متواضعة، كحال مئات الآف الأسر بالبلدات السورية المهمشة، بدأت الثورة وبدأ معها إجرام النظام، كانت البياضة واحدة من المدن التي ثارت، وتعرضت مثلها مثل باقي المدن إلى الحصار والقتل والموت، مما جعل شبابها يتنقلون بين المدن القريبة التي لم يدخلها النظام بعد، في 2011 كانت الثورة في أبهى اشكالها رغم كل العنف الذي فرضه النظام عليها، ذات توجه سلمي مدني، وحمص التي صمدت طويلا استطاعت احتضان هذه المدنية بعد أن فتك النظام بدرعا، مهد الثورة، وبعد أن أصبحت دمشق معقلا أمنيا مرعبا، كثر من الثائرين توجهوا نحو حمص، وعاشوا الحصار والفرح والخوف والأمل بالتغيير، لا يمكن لأي كائن تابع تفاصيل الثورة السورية أن ينسى الراحلة الجميلة فدوى سليمان وهي تقود مظاهرات عظيمة برفقة الساروت ويحولانها إلى حفل فني مدهش، هتافات وأغنيات ورقص، كانت هذه الأمسيات يرسلها الناشطون على هواتفم مباشرة إلى وسائل الإعلام، كنا نحن السوريين الخائفين، نتحلق حول الشاشات وقلوبنا تنبض بقوة، وعيوننا تدمع فرحا وخوفا وترقبا، تلك الأيام كنا ما زلنا نملك الأمل، كنا مؤمنين أن الظلم لا يمكنه أن ينتصر، لهذا كنا نغني مع الساروت أغنياته الجميلة ونحن موقنون أن الثورة لابد أن تنتصر قريبا.
تعلقنا جميعا بالساروت وأسميناه حارس كرامتنا، أحببنا طريقته في الغناء، رغم أن صوته ليس جميلا، أحببنا صدقه وحماسه، أحببنا أنه ترك أحلامه الشخصية خلفه، ولاحق حلما جماعيا يشغل بال السوريين، أحببنا كل شيء معه، وعندما اشتد عنف النظام على الخالدية والوعر وباقي المناطق الحمصية، وبدأت حركة التسليح المنظمة، وبدأ الخراب الذي كان له ممولون وداعمون ومخططون، ظن الساروت ورفاقه، أبناء الشعب السوري البسيط، المتدين والمحافظ أصلا، أن الانخراط في تنظيمات إسلامية مسلحة قد تبعد خطر النظام، تخبط الساروت، مثله مثل الثورة السورية، في مآلات عديدة، لم يكن لديه ترف التفكير بما ستؤول إليه حاله نتيجة هذا التحول، كان مشغولا بدفن أصدقائه واحدا بعد الآخر، وبدفن عائلته التي استشهد منها الوالد وأربعة أخوة قبل أن يصبح هو الخامس الذي تودعه والدته الصابرة، في مشهد يقطع القلوب. ليضع كل منا نفسه مكان الساروت، شاب صغير قضى التسع سنوات الأهم من حياته في ظل الموت والحرب والقهر والفقد، لم يبق له أحد، لم يبق له حلم، لم يبق له شيء، وكان عليه أن يختار بين أن يلتحق بمن سبقوه إلى بلاد اللجوء، وربما تحول إلى نجم إعلامي، كغيره، وبين أن يكون وفيا لما أقسم لرفاقه وأخوته عليه، فضل الساروت أن يبقى وفيا لقسمه، في بلاد تتناهشها الذئاب والضباع من كل صوب، هل نلومه على تحولاته؟ لو كان أي منا مكانه ماذا كان ليفعل؟! لنسأل هذا السؤال لأنفسنا قبل محاكمته على خياراته. يسهل التنظير لمن لم يعش نفس الظرف، يسهل الكلام والمحاكمة لمن يعيش في أمان، ومستقبله ومستقبل أبنائه واضح وجلي، هؤلاء لا يراودهم الارتباك بشأن أوضاعهم، فحياتهم مرتبة وهادئة بما يكفي، ولديهم المزيد من الوقت والوعي وخبرة الحياة والظروف المساعدة لكي يحددوا خياراتهم ويحسبوها كما يشاؤون، في الوقت الذي كان فيه عبد الباسط الساروت، ابن القهر والظلم والفقر، منقادا إلى العدم الذي أخذ منه كل ما يحب، موجها بوصلته نحو هدف وحيد هو الانتصار على القهر والظلم المتمثل بنظام الأسد.
أيها السادة الأفاضل، قبل أن تحاكموا الساروت على خياراته، حاكموا من أوصله وأوصل سوريا إلى حالها اليوم، النظام الأسدي، وتجار السياسة والمال والسلاح والدين، والنظام العالمي الذي وافق على تدمير سوريا والفتك بشبابها، وصمت على موت كل شيء فيها حين صمت على المجزرة الكبرة بحق ثورتها الشهيدة.
بقلم: رشا عمران

رشا عمران