كتاب وأراء

«17» يونيو حزيران

في مثل هذا اليوم من العام 714م وُلد أبو جعفر المنصور، ثاني خلفاء بني العباس، يُعتبر المؤسس الحقيقي للدولة العباسية، كان شديداً حازماً يؤمن بمقولة الإسكندر المقدوني: لا تتسع السماء لشمسين ولا الدولة لحاكمين! لهذا قتل عمه عبد الله بن علي، ثم قتل بعد ذلك أبا مسلم الخراساني، الذي وطَّد لهم الحكم وأخذ لهم البيعة، لما أحسَّ أنه صار في بعض الأمور ينازعه السلطة!
بعيداً عن الكرسي، كان سمحاً، قليل البذخ والترف، رجل دولة باقتدار، سياسي محنك، لم يُنسه الحزم والشدة أن يقيم شيئاً من العدل!
غصبَ أحد ولاته بستاناً لرجل، فجاءه الرجل شاكياً وقال له: أصلحَ الله الأمير، أأذكر لكَ حاجتي أم أضرب لكَ قبلها مثلاً؟!
فقال المنصور: بل اضرِبْ المثل!
قال: إن الطفل الصغير إذا نابه أمر يكرهه يفزع إلى أمه إذ لا يعرف غيرها، وظناً منه أنه لا ينصره سواها، فإذا ترعرع واشتدَّ كان فراره إلى أبيه، فإذا بلغَ وصار رجلاً وحدث به أمر شكاه إلى الوالي لعلمه أنه أقوى من أبيه، فإذا زاد عقله شكاه إلى السلطان لعلمه أنه أقوى ممن سواه، فإن لم ينصفه السلطان شكاه إلى الله لعلمه أنه أقوى من السلطان! وقد نزلت بي نازلة وليس أحد فوقك إلا الله، فإن أنصفتني وإلا رفعتُ الأمر إلى الله، فإني متجه إلى الحج!
فقال المنصور: بل ننصفك، وكتب إلى الوالي كتابين، الأول بعزله، والثاني بردِّ البستان إلى صاحبه!
لا يختلف المنصور في سيرته عن كل الحكام الذين تحدثنا عنهم وسنتحدث عنهم، لعله لا يختلف عنا نحن أيضاً، إنه إنسان، مزيج من الخير والشر، يأتي هذا ويأتي ذاك والسُلطة عزيزة والكرسي غالٍ وطوبى لمن أتى الله بريئاً من أي دم! وحبذا لو نستفيد نحن من القصة، ونحذر أن نظلم هؤلاء الذين لا ناصر لهم إلا الله! إن دعوة مظلوم يقول الله لها وعزتي وجلالي لأنصرنكِ ولو بعد حين كفيلة أن توقعنا أرضاً بالضربة القاضية!
بقلم: أدهم شرقاوي

أدهم شرقاوي