كتاب وأراء

الكتاب ورفاهية القراءة

تتحدث تقارير مختصة عن تراجع نسبة عدد القراء العرب، رغم أنها لم تكن في أحسن أحوالها منذ وقت طويل، إلا أن التقارير تتحدث عن تراجع مريع في العقد الأخير من الألفية الثانية، تعزو التقارير هذا التراجع إلى الأوضاع السياسية التي تعصف بعالمنا العربي، وإلى الحروب التي تجعل من القراءة حاجة كمالية لا ضرورة لها أمام احتياجات المواطن العربي، الأكثر ضرورة، والتي تضمن بقاءه وأولاده على قيد الحياة،
كما أن التقارير تعزو هذا التراجع إلى ارتفاع سعر الكتاب الورقي المطبوع بعد أن ارتفعت كلفة صناعته، بشكل غير مسبوق، نتيجة الأزمات الاقتصادية المهولة التي شهدها العالم، وعالمنا العربي ضمنه، مما أضعف القوة الشرائية للعملات المحلية التي تتعامل بها شريحة القراء العرب في العالم العربي. وغالبا ما تشير هذه تقارير الصحفيين أو الإحصائيين، إلى الفرق بين نسبة عدد القراء في المجتمعات العربية إلى عدد القراء في المجتمعات الغربية، وهذا بالمناسبة حقيقي إلى حد كبير، إذ يكفي أن نشاهد، للدلالة على صحة هذه النظرية، صورة واحدة من صور وسائل النقل الجماعية (المترو) في باريس أو في أي عاصمة أوروبية أخرى، حيث يظهر عدد كبير من البشر يجلسون وهم يقرؤون في كتبهم بانتظار وصولهم إلى محطاتهم المقصودة، رغم أن نسبة قراء الكتب الورقية قد قلت أيضا، بعد أن أصبحت الهواتف الذكية في متناول الجميع الذين تحولوا إلى مدمني وسائل التواصل الاجتماعي، بينما من النادر جدا أن نجد مواطنا عربيا يمسك في يده كتابا أو جريدة في أي وسيلة نقل عامة عربية، وقد يحدث أن ينظر الناس إلى من يفعل ذلك في (مترو) عربي أو حافلة نقل نظرة استهزاء بهذا الكائن الغريب الذي يقرأ كتابا ما.
غير أن هذه التقارير تتحدث عن القراءة الورقية، أي: عن نسبة عدد قراء الكتاب الورقي، وهذه الإحصائيات غالبا ما تعتمد على ما تقدمه دور النشر والمكتبات بهذا الخصوص، لكن، هل تكفي حاليا هذه الإحصاءات للدلالة على حالة القراءة في عالمنا العربي؟! أظن، مع موافقتي على صحة الإحصائيات وموضوعيتها، أنها لا تكفي، إذ أن ارتفاع سعر الكتاب جعل من طباعة الكتب العشوائية (المهربة) من الضرائب ومن حقوق النشر للمؤلف والناشر، رائجة جدا، وجعل من سوق الكتاب المقرصن بديلا مهما عن المكتبات ودور النشر، وذلك لرخص سعر الكتاب المقرصن قياسا بسعره الأصلي في دار النشر التي أصدرته، وغالبا لا تأخذ الإحصائيات هذا السوق في عين الاعتبار، كما أن هناك انتشارا واسعا للكتاب الإلكتروني، والذي لا يحتاج سوى إلى شاشة كمبيوتر أو تابلت أو هاتف، واتصال بالشبكة، ويتمكن القارئ عندها من تحميل مئات الكتب على جهازه وقراءتها في أي وقت، وهذا أمر سهل جدا خصوصا للكتب القديمة التي فقدت حقوق التأليف والنشر، كما أن قرصنة الكتب الحديثة على النت انتشرت أيضا بشكل كثيف، وهو أمر تشكو منه دور النشر بشكل دائم، لكنها غواية القراءة والرغبة في المعرفة، خصوصا لدى الشباب الماهرين بالتكنولوجيا، هذه الغواية التي تضع جانبا كل قوانين ومواثيق النشر والطباعة، طالما أن سعر الكتاب بنسخته الورقية والأـصلية يمنع وصوله إلى عدد كبير من القراء لا يمكن الاستهانة بتأثير وجوده على أي إحصائية تختص بعدد القراء.
لا شك أننا مجتمعات لا تقرأ كما ينبغي، وأن سوق الكتاب الورقي يزداد سوءا وانحدارا عاما وراء عام، ولا شك أيضا أننا شعوب تعتبر فعل القراءة فعلا ترفيا وكماليا، وأن الثقافة المجتمعية العربية ثقافة شفوية من جهة، ومن جهة أخرى هي ثقافة تحارب الفكر والإبداع بكل أنواعه، ولكن كيف يمكن لهذه الشعوب أن تتعامل مع فعل القراءة بوصفه أمرا ضروريا لا كماليا، إن كانت أبسط احتياجات الحياة غير مؤمنة لها، ولن نتحدث هنا عن الشعوب العربية التي تعيش، خلال العقد الأخير، تحت وطأة الحرب والحصار والجوع والتهجير والتشرد، بل عن المجتمعات التي تعتبر إلى حد ما مستقرة وآمنة، هل شعوب هذه المجتمعات مرفهة اجتماعيا واقتصاديا كالمجتمعات الأوروبية بما يجعل الكتاب لديها شأنا اجتماعيا عاما؟! أظن أن الجواب سيكون لا، ليست هكذا ولم تكن يوما هكذا، يمكننا حاليا أن نعتز بما لدينا من قراء، كي نتمكن من القول أننا مازلنا شعوبا حية رغم كل شيء.
بقلم: رشا عمران

رشا عمران