كتاب وأراء

محمد مرسي.. الثائر كما يجب أن يكون!! - (2)

لم يكن العداء للرئيس محمد مرسي منبعه فقط كونه من جماعة الإخوان المسلمين عدو العسكر اللدود والخصم الشرس لأي توجه وتكتل سياسي أو ثقافي منبطح للغرب والمعادية للكيان الصهيوني والعامل المؤثر والحاسم في ثورة 25 يناير وإن كان هذا أحد الأسباب، لكن العداء والحقد والخصومة سببه الرئيسي أن مرسي -رحمه الله- كان من نسيج الشعب الحقيقي صاحب الأرض المحروم من خيراتها، صاحب الوطن المغتصبة إرادته والمنهوبة ثرواته، وليس فردًا من منظمة دولة يوليو العسكرية،
مواطن من قرية بسيطة تمثل بكل ما تحتويه نموذجًا مصغرًا للغالبية الساحقة من الشعب المصري التي تعاني تحت الحكم العسكري الاستبدادي، لذا كانت روحه مشبعة بأحلام البسطاء وقلبه مليئا بالحب لبني وطنه مصر وأمته العربية وعالمه الإسلامي، وعقله لا يشغله إلا التفكير في واجبه نحو هذا الوطن وهؤلاء البسطاء، وتلك الأمة بعمقها العربي وامتدادها الإسلامي.
كان مرسي كابوسًا لأعداء الحرية والحق وخصمًا عنيدًا للنخب السياسية المصطنعة والتي صعد غالبيتها في سلم السياسة لارتباطهم بالنظام العسكري بطريقة أو بأخرى، فكان على العكس منهم تدرج في سلم العمل السياسي عبر الطريق الطبيعي من عضو برلماني لدورة واحدة 2000- 2005 يمثل الشعب خير تمثيل واختير «أفضل برلماني في العالم» عن تلك الفترة، وكان نظام المخلوع مبارك يعاني من استجواباته المتعاقبة عن مشاكل المواطنين وفساد منظومة الحكم، وأفضل مثال استجوابه الشهير حول حادثة قطار الصعيد، وترأس الهيئة البرلمانية لجماعة الإخوان المسلمين تكتل المعارضة الرئيسي في مجلس الشعب ولم تكن معارضة مصطنعة ولا متفقا عليها بل مزعجة لدرجة جعلت نظام المخلوع مبارك يلجأ للتزوير في جولة الإعادة في انتخابات 2005 لصالح المرشح المنافس له بعد تفوقه في الجولة الأولى بفارق كبير ثم اعتقاله في مايو 2006 من أمام محكمة شمال القاهرة بعد مشاركته في مظاهرات شعبية احتجاجًا على تزوير الانتخابات، وفي الانتخابات التالية في 2010 كان التزوير فجًا وواضحًا لصالح الحزب الحاكم ليعقبه اشتراك الرئيس محمد مرسي في تأسيس الجمعية المصرية للتغيير والتحالف الديمقراطي، وكان هذا بمثابة إعلان مبكر للثورة القادمة في الطريق والتي لم تتأخر لتنطلق في 25 يناير ويتم اعتقاله مرة أخرى مع قيادات أخرى من جماعة الإخوان في سجن وادي النطرون صبيحة جمعة الغضب 28 يناير 2011 حتى 30 يناير عندما تركت قوات الأمن السجون ضمن مخطط الفوضى الذي سعى إليه النظام، ليشارك بعد نجاح الثورة المؤقت في خلع مبارك في تأسيس حزب الحرية والعدالة وانتخبه مجلس شورى الإخوان رئيسًا للحزب في أبريل 2011 وليتم ترشيحه بعدها لانتخابات الرئاسة بعد استبعاد المهندس خيرت الشاطر، ليحصد منصب الرئيس، ويتم إعلانه رسميًا كأول رئيس منتخب لمصر في 24 يونيو 2012، ويؤدي اليمين الدستورية في 30 يونيو 2012 حتى الانقلاب عليه في 3 يوليو 2013. كانت مدة رئاسته عامًا واحدًا كشفت خلاله بوضوح وأمام الجميع أطراف معسكر الثورة المضادة إقليميًا ورعاتها الدوليين وزيف الديمقراطيات الغربية وأن الحريات وحقوق الإنسان وأحقية الشعوب بتقرير مصائرها ما هي إلا ذرائع وحجج تغطي بها أهدافها الاستعمارية، وظهر للعلن أذرعها الداخلية في كل دول الربيع العربي، وأزيح القناع الزائف للمؤسسة العسكرية وتغولها وطغيانها، وتبين انبطاح مؤسسات الدولة كافة أمامها وخضوعها لها، وظهرت بلا مواربة المؤامرات بكافة خيوطها وأدواتها وأطرافها الإقليمية والدولية، وسنوات اعتقاله الست وما مر عليه فيها من افتراءات ومحاكمات زائفة لا أساس لها على جرائم مزعومة اتهموه بها ونفذها النظام الانقلابي بحذافيرها، وعاني الرئيس الشهيد خلالها وبدرجة أشد وأعنف وأكثر إجرامًا من كل ما يعاني منه شرفاء مصر خلف قضبان المعتقلات، استهدفوا خلالها حياته.لم يكترث، هددوه فلم ينحنِ، ساوموه فلم يتنازل، عاقبوه على نصرته للثورة السورية ودعمه للشعب الفلسطيني وإخلاصه لوطنه وإيمانه بقضيته ووفائه لثورته وبقائه على وعده بأن يبذل حياته رخيصة في سبيل شرعية الشعب وحقوقه وقد فعل، رحل عن عالم صامت متآمر ترعبه الثورات ويقض مضاجعه رجال مثل الرئيس مرسي الذي كان استشهاده علامة فارقة في التاريخ الإنساني وملهمًا للأحرار في كل مكان، ليسطر بدمه فصلًا فريدًا عن صفات الفارس الثائر الثابت على مبادئه وقناعاته وليعطي مثالًا على التضحية في سبيل الحرية، تحررت روحه ليخلد اسمه في سجلات التاريخ كأحد الملهمين للشرفاء في كل زمان ومكان، وليكتب استشهاده خاتمة تليق به، رحم الله الرئيس الشهيد محمد مرسي، فهو الثائر كما يجب أن يكون.
بقلم: جمال الهواري

جمال الهواري