كتاب وأراء

حكايتي مع الزراعة العضوية

أنظر بإعجاب كغيري إلى بلاد العم ماو، ليس فقط لأن تقنيات «هواوي» واقتصادياتها صارت تزعج بلاد العم سام، ولكن لأن التنين الصيني لا يطعم ما يزيد عن المليار ونصف المليار، أو قرابة المليارين من سكانها، ولكنها مرشحة بقوة ان تطعم ايضا شعوبا أخرى تفتقر إلى إنتاج ما يكفيها من غذاء، فالصين تنتج فيضا هائلا من أنواع الغذاء المختلفة، ولكني في الوقت ذاته أنظر بخجل شديد إلى أمتنا العربية التي يقال انها تستورد ما يزيد عن السبعين في المائة من طعامها رغم ان كل العرب ديموغرافية تبلغ نحو خمس سكان الصين، وتعيش هذه الديموغرافيا العربية على مساحة تزيد عن مساحة الصين بكثير، فمجتمعاتنا العربية، ورغم وجود مساحات هائلة من الأراضي الزراعية في أغلبها، ورغم ان بعضها لا يخلو من الأنهار، استمرأت استهلاك الغذاء المستورد بطريقة «الدليفري» كما يفعل الافراد.
استعادت الذاكرة هذه الحقائق حينما قرأت مقالا مترجما عن صحيفة اسبانية يتحدث عن ان الوفيات في العالم صارت بالملايين، لأن استهلاك سكان العالم من الخضراوات والفاكهة لا يبلغ الحد الادنى، ويتضمن هذا المقال قائمة بالدول التي يتسبب نقص استهلاك مواطنيها من الخضراوات والفاكهة في وفيات فيها، وبالطبع لا تخلو صدارة هذه القائمة من دول عربية.
ذاكرتي بطبيعتها شقية جدا، فلا يكفيها ان تتذكر معلومات من بين أكداس مطمورة في فصوص العقل، ولكنها تتذكر ايضا وقائع خفيفة الظل لا تخلو منها الحياة، مثل تعنيف جدي لي رحمه الله وانا طفل، لأنني كنت أترك كتبي المدرسية وأعتني بخمس شجرات يتيمات في «منور» شاسع ملحق بالمنزل، هم نخلة وشجرتي جوافة، وشجرتي ليمون، اللواتي كنت أزودهن بتسميد عضوي من إفرازات عدد هائل من أقفاص الحمام الهزاز واليمني والمالطي والبلدي والفرنسي..الخ من حولهن، ولهذا كان بلح النخلة الأحمر المكتنز، وكذا ثمار شجرتي الجوافة نضرا ويانعا ومسكرا ووافرا، فهذه اللوحة الطبيعية الجميلة كانت تؤثرني، فلا تروق لي مذاكرة الا وانا مستلقٍ على الارض في اعماقها، بينما كان جدي يصر على ان المذاكرة: كتاب مدرسي ومكتب ومقعد وثير واباجورة تركز الضوء على ما أقرأه، ولهذا كان جدي دائم القول ان بذرة الفلاح الفوضوي فيّ لم تمت، ولا يستبعد ان أهشم آماله الكبار فيّ ان اكون طبيبا، وأتدحرج إلى دراسة الزراعة، بينما كان يتمنى لي ان اكون طبيبا، رغم معرفته انني لا اطيق هذه المهنة الاخيرة ولم أرغب في الالتحاق بكلية الطب، حتى لو كنت حصلت في الثانوية العامة على معدل مائة بالمائة، وكأنني أدركت مبكرا منذ الصغر ان الصحة فواكه وخضراوات طازجة، لذا اشتهرت بين اخوتي انني المستهلك الاكبر لها في كل المنزل، كما عرفت بأن ما ازرعه ينمو عفيا نضرا، بينما لا يعلمون الخلطة السحرية وراء عافية ونضارة نباتاتي، والمكونة من سماد زرق الحمام وطمي النيل.
بقلم: حبشي رشدي

حبشي رشدي