كتاب وأراء

الصقور المعدنية في أجواء العالم

لم تمض ساعات على ذيوع نبأ اسقاط إيران لطائرة أميركية مسيرة «بدون طيار» في موقع مختلف عليه حتى نشرت قناة تليفزيونية روسية لقطات لاختبار أحدث الطائرات الروسية «الدرون» بدون طيار من تصميم وإنتاج شركة روسية، ويلاحظ انه نشأت في دول عدة في العالم شركات متخصصة في بحوث تصميم وإنتاج طائرات الدرون، وان هذه البحوث بعضها لانتاج اطرزة من هذه الطائرات جديدة وفريدة كليا في مهامها وخواصها، بينما هناك بحوث اخرى تبذل جهدها للقيام بهندسة عكسية لما ينتجه الآخرون من خلال إعادة تركيب وتدقيق حطام طائراتهم، للبدء من حيث انتهى هؤلاء الآخرون.
واللافت في الأمر أيضا ان الفجوة بين «درون المتقدمين» و«درون دول العالم الثالث» قابلة للردم، على العكس تماما من الفجوة في إنتاج الطائرات العسكرية المقاتلة بين الدول المتقدمة ودول العالم الثالث التي يتعذر عليها مجاراة إنتاج المتقدمين، ويتعين عليها استيراد هذه الطائرات العسكرية من دول متقدمة تشتهر بإنتاج أطرزة فائقة الجودة بين وقت وآخر.
ما يعني ان الجيوش في العالم اصبحت تولي تقنيات الطائرات الدرون اهتماما كبيرا، لأسباب لا تخفى على احد، ومنها: رخص تكلفة انتاجها، فأسعار هذه الطائرات تعتبر زهيدة إلى حد ما قياسا على كلفة إنتاج المقاتلات والقاذفات العسكرية التي يقودها طيارون، كما ان طائرات الدرون توفر كلفة وزمن تدريب طيارين، وهي في الغالب كلفة باهظة، واحيانا لا تكلل بكامل النجاح، بل واحيانا اخرى يترتب على التدريب خسائر فادحة، فضلا عن تعذر توفير العناصر البشرية الكفؤة صحيا وبدنيا وتقنيا للتدريب على قيادة الطائرات العسكرية المتقدمة، كما ان طائرات الدرون تنحصر خسائر اسقاطها والتصدي لها بصواريخ قاتلة في كلفة هذه الطائرات المسيرة، بينما تشمل خسائر اسقاط الطائرات العسكرية التقليدية احتمالات ليست متواضعة لمقتل الطيار المقاتل أو وقوعه في اسر الاعداء المستهدفين من ثم برزت طائرات الدرون لتحل كل هذه المشاكل، ومن ثم غزت أسرابها العديد من أسلحة الجو في جيوش عدة في العالم
واللافت في امر هذه الطائرات انها لا تمثل تقليعة جديدة تضاف بفاعلية إلى أسلحة الجو في جيوش دول عدة، بل ان تاريخها وأول ارهاصاتها ظهرت في بريطانيا في العام 1917، وكان الأميركيون أول من استخدموها عملياً في حرب فيتنام، كما استخدم الاسرائيليون هذه الطائرات دون طيار في حرب أكتوبر 1973. ولكنها لم تحقق النتيجة المطلوبة فيها لضعف الإمكانات في ذلك الوقت ووجود حائط الصواريخ المصري، غير ان طرق اسقاط هذه الطائرات مكلفة، فثمن الصاروخ الذي يدمرها في الجو ويحول بينها وبين بلوغ غاياتها اعلى بكثير من ثمن الطائرة الدرون.
وتعكف المعامل العسكرية الآن على تحقيق هدفين، أولهما: تخفيف وزن ذخيرة الطائرات الدرون، فتكون قواذف خفيفة الوزن ولكنها شديدة الفتك بالهدف، ولا أظن ان انجاز هذا الهدف سيحتاج إلى وقت طويل، واظن ان الأميركيين سيحققون ذلك بسهولة، وثانيهما: تمكين طائرات الدرون من تعمية اجهزة الرصد وأسلحة الدفاع الجوي، فتكون عفية على الاكتشاف ومن ثم تعذر الاستهداف، ويذلك يمكن استخدامها في اعمال تجسسية خطيرة واستباحة اجواء دول دون اكتشافها، ومن ثم يمكن القول ان الجيوش الحديثة تسعى إلى تطوير امكانتها بطرق رخيصة التكلفة وبفاعلية تمكنها من العمل خلف خطوط الاعداء باستخدام قوة نيرانية شديدة الخطورة، دون الحاجة إلى عنصر بشري في طائرة شديدة الذكاء وأرخص بكثير من الطائرات العسكرية التقليدية وتحلق في ارتفاعات شاهقة.
بقلم: حبشي رشدي

حبشي رشدي