كتاب وأراء

اليرموك على وعد العودة إلى يافا - «1»

في مساء يوم الأحد الماضي الموافق 23 يونيو 2019، وفي مشفى (يافا) التابع للهلال الأحمر الفلسطيني بدمشق، صعدت روح الدكتور سميح شبيب إلى باريها، فخسرت الثقافة الوطنية الفلسطينية برحيله، علماً من اعلامها، ورجلاً من رجالاتها، فقد كانت آخر مسؤولياته رئاسة تحرير مطبوعة شؤون فلسطينية.
الدكتور سميح شبيب، ابن مدينة يافا، ومن مواليدها، قبيل النكبة بوقتٍ قصير، وتحديداً بأيامٍ معدودة، فقد اكتحلت عيناه بها رضيعاً في حي العجمي اليافاوي العتيق والشهير، والواقع إلى الجنوب منها وعلى شاطىء البحر، فعندما انهمرت القذائف على مدينة يافا التي كانت تطلقها عصابات الهاجاناه من المناطق المحيطة، وفي ظل أصواتها المرعبة، أجهضت مُعظم النساء الحوامل في المدينة، وأسقطت الأجنة من بطونها، ومن حالفها الحظ وضعت مولودها على عجلٍ، وهكذا كان حظ سميح شبيب، فقد رأت عيناه نور الحياة في ذلك اليوم الأغبر من حياة الشعب العربي الفلسطيني قبل النكبة الكبرى بأيامٍ معدودة، وبسبب هذه الحالة ضاع أطفال كثيرون خلال تدافع الناس نحو الميناء والخروج على متن القوارب والسفن المتهالكة التي كانت قد هيأتها سلطات الإنتداب البريطاني لتحقيق عملية الترانسفير للعدد الأكبر من ابناء فلسطين. لكن «تعليقة ذهبٍ» صغيرةٍ وضعتها عمته على صدره (كما كان يقول سميح شبيب، وكما قال لميرفت صادق التي حاورته في وقتٍ سابق) كانت الوسيلة الوحيدة التي عرّفت عنه قبل ركوب عائلته السفينة المتجهة إلى بيروت، حتى لا يضيع في الزحام والفوضى التي رافقت خروج الناس لحظات النكبة.
الدكتور سميح شبيب، قذفت النكبة الكبرى بعائلته مع غالبية أبناء شعبه، فوصلت عائلته وهو طفل رضيع على متن احدى السفن إلى بيروت، ومنها إلى دمشق، وبعدها كانت الإقامة في مخيم اليرموك.
التحق بصفوف العمل الوطني الفلسطيني منذ يفاعة عمره، وتحديداً في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (القيادة العامة)، والتي خرج منها مع المجموعة التي أطلقت على نفسها لاحقاً اسم جبهة التحرير الفلسطينية صيف العام 1976 بعد احتدام الخلافات داحل الجبهة الشعبية/‏‏القيادة العامة، بشأن دخول القوات السورية إلى لبنان.
درس في جامعة دمشق/‏‏ كلية الآداب، وعمل في الصحافة والإعلام، وفي الكتابة السياسية، وتفرغ بالعمل البحثي في مركز الأبحاث الفلسطيني التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية في بيروت، كما عمل بعددٍ من المطبوعات الفلسطينية، كان منها المجلة المركزية لجبهة التحرير الفلسطينية (القاعدة) ومجلة (الأفق)، وانتقل بعد مرحلة بيروت إلى قبرص مواصلاً عمله الإعلامي، وصولاً لدخوله إلى فلسطين، واقامته في رام الله، وترؤسه هيئة تحرير دورية (شؤون فلسطينية).
في العدد 248 من مجلة «شؤون فلسطينية»، ربيع 2012، والتي كان يرأس تحريرها المرحوم سميح شبيب، نَشَرتُ على صفحاتها دراسة مطولة بتكليفٍ من الدكتور سميح، بعنوان «م.ت.ف. الواقع الراهن وآفاق المستقبل»، وعندها وقع اكثر من اتصال بيني وبينه من رام الله إلى مخيم اليرموك.
{ (يتبع)
بقلم: علي بدوان

علي بدوان