كتاب وأراء

التعليــم والســباحــة عكــس التيار

التعليــم والســباحــة عكــس التيار

تابعنا جميعا الحوار المجتمعي العفوي الذي دار حول الفترة الطويلة جدا والمبالغ فيها للعام الدراسي، وطول ساعات الدراسة، وصعوبة الامتحانات، وضخامة المناهج وحشوها بما لا ينفع، حوار مجتمعي عفوي دار في المجالس وبين الأسر وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتناولته صحافتنا الوطنية بمنتهى النزاهة والموضوعية، وبمشاركة أولياء الأمور والتلاميذ والمعلمين، وحتى الإداريين في المنظومة التعليمية قد أدلوا أيضا بدلوهم فيه، وهذا الزخم في المشاركة الواسعة زاد من حرارة ولهيب الحوار في طقس صيفي ليله ساخن ونهاره حار شديد وشمسه ترسل اللهيب، فالأجواء كلها ملتهبة بطبيعة الحال، ولا عجب أو غرابة في ذلك، بل هو أمر طبيعي لأنه لا توجد أسرة في المجتمع إلا وهي على تماس مع وزارة التعليم والتعليم العالي، من خلال أبنائها الذين يدرسون في المراحل التعليمية المختلفة أو معلمين أو موظفين إداريين.
وبقدر ما تلامس أي وزارة ما من الوزارات المجتمع بقدر ما تكون أهميتها، ووزارة التعليم من أكثر الوزارات التي ينشغل بها المجتمع طوال العام، لذلك نأمل من كل مسؤول فيها بدءا من سعادة الوزير سعة الصدر لما نطرحه، لأننا وهم جميعا هدفنا واحد وهو المزيد من الارتقاء بالوطن انسجاما واستجابة لتوجيهات قائد مسيرتنا وراعي نهضتنا «تميم المجد» حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله ورعاه، فمما لا شك فيه أن سعادته ومعه فريق المسؤولين في الوزارة على علم تام بالمحاور التي شملها الحوار المجتمعي العفوي الذي دار مؤخرا ولا تزال له توابع.
وأول هذه المحاور هو طول العام الدراسي، مما أدخل الملل والضجر إلى نفوس التلاميذ، إذ من غير المعقول أن يقترب من الأحد عشر شهرا، وما بقي من السنة وهو شهر يكون قلقا وانتظارا لظهور نتائج الامتحانات، ومن ثم الاستعداد للعام الدراسي الجديد، والشكوى من هذه المعضلة ليست وليدة اليوم بل سبق أن أبداها أولياء الأمور والتلاميذ ومعهم المعلمون، ولكن الوزارة لم تهتم أو تلق لها بالا، لدرجة أنه خُيل لنا أن الوزارة في عناد مع المجتمع، أو تمارس معه لعبة شد الحبل، وهذا أمر غير مقبول ويضر بالمنظومة التعليمية.
ومما يدل على غياب التخطيط السليم – وهو المحور الثاني - ضخامة المناهج المثقلة بالحشو والحافلة بالمعلومات المكررة التي لا طائل من ورائها، ولا نفع ولا فائدة ترجى منها، لدرجة أن المعلمين لم يستطيعوا شرح المناهج كاملة رغم طول العام الدراسي وساعات الدراسة، مما يعوق تحقيق الهدف من التعليم، ويجعله بابا من أبواب هدر المال العام، ولو أن في الوزارة من يجيدون التخطيط السليم لأدركوا أن الغاية من التعليم ليست تحويل عقول الطلاب إلى رفوف نكدس فوقها الكتب دون أن نستفيد منها، ولكن الهدف تزويد الطلاب بالمعلومات التي تحتاجها الدولة في سباقها نحو المستقبل، معلومات صالحة للتطبيق على أرض الواقع، وقابلة للتحويل من الشكل النظري في الكتب إلى التطبيق العملي في كل المجالات للنهوض بالمجتمع.
ومما يزيد الطين بلة ويعقد الأمور ويدعو للعجب والغرابة أنه رغم ضخامة المناهج وطول العام الدراسي وساعات الدراسة تأتي الغالبية العظمى من أسئلة الامتحانات من خارج المناهج، حتى اختبار العلوم الشرعية لطلاب الثانوية العامة لم يسلم من التعجيز، مع أن الله تعالى جعل الدين يسرا لا عسرا، فهل من تفسير لهذا التعامل وهذا السلوك من قبل الوزارة تجاه أبنائنا؟، ونخص بالذكر هنا الاختبارات الوطنية للصفين السادس والتاسع، فما الحكمة أن يكون من خارج المنهج و«تحوير» أسئلته، والقائمون عليه المفروض أنهم خبراء يعرفون وجود الفوارق والقدرات الفردية بين تلميذ وآخر، وأن الهدف هو تمييز الطالب الذي اجتهد ودرس المنهج من الآخر الذي لم يدرسه، ولا مانع من وجود سؤال واحد يقيس نسبة الذكاء عند الطلاب الذين يعتبرون في مرحلة الطفولة.
- ماذا كانت النتيجة ؟.
كانت النتيجة واضحة خروج التلاميذ من لجان الاختبارات يبكون أمام المدارس، ويتحسرون على جهودهم في المذاكرة التي ضاعت هباء منثورا، وعلى السهر ليلا منكبين على الكتب أملا في اجتياز الاختبارات، ونشاهد أولياء أمورهم يحتوونهم ويهدئون من روعهم، فهل يعجبكم هذا المشهد يا من وضعتم الامتحانات وأنتم أيضا يا من شاركتم في حشو المناهج بمعلومات لا تنفع استعاذ منها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟، ففي حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه كان من دعاء رسول الله: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع».
هل يطربكم بكاء وأنين الطلاب وهم خارجون من الامتحانات يا مسؤولي الوزارة؟، وهل يعجبكم هذا القلق والتوتر الذي تسببتم فيه للأسر !.
يا وزارة التعليم بسببكم أبناؤنا كرهوا التعليم، وأصبحوا يخافون من الذهاب إلى المدارس، بينما نرى التلاميذ في دول العالم المتقدم ينتظرون مجيء الصباح وشروق الشمس للذهاب إلى المدارس وهم في شوق وفي كامل حيويتهم ونشاطهم واستعدادهم لبدء الحصص وتلقي العلم، بينما أبناؤنا يكملون نومهم في السيارات وهم ذاهبون إلى المدارس من شدة الإرهاق، فلابد من حل لهذه المشكلات، وأعتقد أن هذه المشكلات التي نسردها ليست عصية على الحل.
يا وزارة التعليم عدد ليس بقليل من المعلمين القطريين بدأوا يهجرون مهنة التدريــــس بسبب ما تلقون على عواتقــــــهم من مســـــــؤوليات ومهام ليست من صميم عملهم أو مهامهم، فالمطلوب تفريغ المعلمين للتدريس وليس غير التدريس، وتجزلون لهم العــــــطاء من الـــــبدلات والحوافز التـــــشجيعية حتى نحافظ عليهم.
يستحق التعليم أن نكتب عنه ولا نتوقف، وسوف نكتب ولن نتوقف طالما نرى ثغرات لا تحاول الوزارة سدها، وفجوات لا تحاول الوزارة تجسيرها، ذلك لأن التعليم كان على مدار التاريخ ولا يزال وسيظل ركنا مهما في التقدم المجتمعي، ومحركا أساسيا في التطور الحضاري، وتناول قضايا التعليم بهذا الكم من الآراء التي طُرحت مؤخرا ضمان توسيع أفق المشاركة المجتمعية في جميع مجالات التعليم والعملية التعليمية، ونحن في انتظار أن نسمع قرارات جريئة من شأنها تخفيف المناهج بحذف الحشو منها وجعــــلها مركـــزة وميسورة، وإلغاء الاختبارات الوطنية، واختصار فترة العام الدراسي والنـــــظر بعين الاعتبار للمعلمين والله من وراء القصد.
بقلم: آمنة العبيدلي

آمنة العبيدلي