كتاب وأراء

فرسان المنابر

في المسجد..والتكييف على حده الاقصى.. فيما درجة الحرارة تعدت الـ 45 درجة مئوية بالخارج.. وفيما بدأ الإمام الحديث في خطبته حول مبطلات الوضوء.. نظرت حولي فقد ارتفع شخير خفيف قادم من خلفي شجع نفسي لأخذ اغفاءة أفقت على جاري بقول لي: اصح ستبدأ الصلاة.. ودخلت في شك ان يكون وضوئي قد انتقض فشققت الصفوف وهو يقيم الصلاة وصلت المتوضأ وعدت وهو يستعد لإنهاء الصلاة..
انتظرت حتى انفض الناس من المسجد.. اقتربت من الامام وسألته: هل الخطبة مقررة..أم مفروضة..أم قدحتها من رأسك.. قال: طبعا. من رأسي، قلت: ألا ترى ان هناك قضايا معاصرة تحتاج إلى تنوير الناس بها.. قال: مالي ومال الناس.. قلت بما ان مدير المساجد لا يتدخل بخطبتك..شد الناس اليك تحدث عن استشهاد مرسي..عن صفقة القرن عن قتل اطفال اليمن وقتل اطفال سوريا..قال: وماذا سوف أقدم أو أؤخر تحدثت أو لم اتحدث.. قلت: على الأقل تمنعنا من النوم.
في الجمعة التالية وقف الرجل وقال: لا أريدكم ان تناموا فصديقي الجالس بينكم قال لي: انكم نمتم الجمعة الماضية..سأتحدث لكم عن الحاكم الديكتاتور وكيف ننتقص من قيمته بالسخرية فالسخرية من الديكتاتور ضرورة.. بل واجب على كل إنسان شريف.. لأن الديكتاتور يكاد يشعر أنه إله.. يتحكم في مصائر البشر كما يشاء.. يأمر بقتل هذا.. ويعفو عن هذا.. ويمنع أو يمنح الحياة الكريمة لملايين البشر.. لكن عندما يسخر الناس من الديكتاتور.. ويتداول العامة فيما بينهم النكات والقفشات المضحكة عنه.. فهذا الأمر يخدش صورته.. ويفقد الديكتاتور هيبته.. فيظهر للناس أن هذا الرجل المهيب.. الذي وصل إلى كرسي الحكم بالتآمر والخيانة والغدر.. ليس سوى كائن ضعيف.. يشعر بالخوف والتوتر والقلق مثلنا.. ويمكن أن يقول كلاما تافها.. وأن يصاب بالإسهال.. وأن يتبول على نفسه.. السخرية من الديكتاتور تشده من عليائه وتنزل به إلى مستوى البشر فيتجرأ عليه العامة.. وهذا ما يخشاه الديكتاتور.. لأنه يعرف جيدا أن ذلك هو أول مسمار في نعشه..
بقيت انظار المصلين مشدودة إلى المنبر.. وقالوا: نحتاج إلى فرسان منابر لنبدأ من اليوم السخرية من الحاكم الظالم!!
كلمة مباحة
ما ضرّكَ لو أطفأ هذا العالم أضواءه كُلَّها في وجهك، ما دامَ النُّور في قلبك متوهجاً.

سمير البرغوثي