كتاب وأراء

التحرش والمجتمع الذكوري

كل فترة يعود موضوع التحرش واتهام شخصية عامة به إلى الظهور إلى العلن، ليصبح أحد الأخبار السريعة والمنتشرة جدا عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، لينقسم متداولو الخبر بين شاتم للشخصية وشامت بها، وبين باحث عن أعذار أو مبررات لما قام به المتحرش، أو مطالب بطي الموضوع ونسيانه، «فالله تعالى أمر بالستر، فلم لا نستر نحن البشر على من قام بفعل فاضح ونسامحه؟»!
وبين تبادل الاتهامات والشتائم وخلق الأعذار وكشف ملابسات الحدث، يغرق المتحاورون، لاسيما العرب منهم، في تفاصيل مهولة من الخلاف، يشعر المتابع لها أن ثمة حربا شعواء سوف تنشب بعد قليل وسوف تستخدم بها كل أنواع الأسلحة الفتاكة، لولا أنه، لحسن الحظ، يحدث هذا من خلف الشاشات الزرقاء، حيث كل في منزله أو مكتبه أو مقهاه، وحيث الشتائم والصراخ والاتهامات والتخوين والتكفير ليست سوى كلام مكتوب لا يمكن تخمين حتى ملامح وجه من كتبه، هل هو غاضب أم ساخر أم هادئ أم محايد، لا شيء أبدا من هذا يمكن لأحد تخمينه، هي الكلمات الصادرة مثل طلقات متفجرة لكنها طلقات فارغة تحدث صوتا قويا بلا ضحايا مباشرين، لكنها تخلف نوعا من الخوف والهلع والتوجس لا يمكن نسيانه بسهولة، إذ سرعان ما يفكر المرء بما يمكن ان يحصل لو أن نقاشا كهذا يحدث بين متحاورين على أرض الواقع! وماذا يمكن لحجم الكراهية الموجودة بين أصحاب الرأي المختلفين أن تفعل!
وبالعودة إلى موضوع التحرش، الذي أصبح شأنا عالميا بعد أن تجرأت الكثيرات، ممثلات ونساء يعملن بالحقل العام، على التصريح والإعلان أنه تم التحرش بهن من قبل شخصيات فنية أو ثقافية أو سياسية أو رياضية معروفة، وهو ما استدعى حملة عالمية شهيرة قبل عامين تحت مسمى (me too أو انا ايضا) مخصصة للنساء الراغبات بالحديث عن حكايا التحرش والاعتداء الجنسي التي تمت بحقهن، وآخر حكايات التحرش هي قصة لاعب كرة القدم المصري عمر وردة، الذي فضحته فتاة تحرش بها وهو في معسكر التدريب أثناء بطولة كأس افريقيا التي تجري حاليا في مصر، ثم تتالت الأخبار عن تاريخه بالتحرش حتى بزوجات زملاء له في الأندية التي لعب بها، مما استدعى منعه من اللعب في البطولة سريعا، ثم التراجع عن هذا القرار من قبل اتحاد الكرة المصري بعد أن سانده زملاؤه في المنتخب وطلبوا مسامحته، بمن فيهم اللاعب الدولي محمد صلاح، الذي كتب تغريدة يطلب فيها منحه فرصة ثانية، سرعان ما تناقلتها الصحف العالمية، متهمة صلاح بالتواطؤ مع متحرش، وهو ما قد يعرض مستقبله الكروي الدولي، ويعرض جماهيرته الهائلة إلى الخطر، إذ اعتبرت الصحافة الدولية التي انتقدت صلاح على تغريدته أن التواطؤ العلني مع متحرش سيئ يستدعي التوقف عنده: هل يرى صلاح أن التحرش أمر عادي، وهل لو كانت إحدى المتحرشات بهن قريبته أو زوجته كان سيطلب فرصة أخرى لوردة أيضا؟ّ، وهي أسئلة مشروعة حقا وتستهدف مصداقية محمد صلاح واتساقه مع نمط حياته الجديد كنجم عالمي لا مصري.
ولكن هل تاريخ عمر وردة بالتحرش هو خارج سياقات حياته؟! إذ يتربى الذكر العربي، في غالبية مجتمعاتنا العربية، على أنه سلطة مجتمعية ويحق له أن يفعل ما يشاء دون أي عقاب، وتربى الفتاة على أنها الطرف الخاضع للسلطة، وبالتالي لا يحق لها الاعتراض على ما تفعله تلك السلطة بحقها، أتاحت حملة (أنا أيضا) فرصة التعرف على نسق طويل من الفتيات اللواتي تم التحرش بهن أو الاعتداء عليهن دون أن يتجرأن على التصريح بذلك لأحد بما في ذلك أمهاتهن، إذ ستكون العقوبة في انتظار من تتجرأ على التصريح، فهي حتما المذنبة بنظر والدتها، لمجرد أنها انثى، هي المذنبة، لمجرد خروجها من البيت، تفضل الكثيرات الصمت عما يتعرضن له لأنهن يعرفن النتيجة مسبقا، ولكم أن تتخيلوا ماذا يحدث لتلك الفتيات إذا كان المتحرش من العائلة، من المحارم، وهناك حوادث مرعبة عن اعتداء المحارم على الفتيات، دون أن يعاقب أحد المعتدي لا العائلة ولا القبيلة ولا المجتمع ولا حتى القوانين، كلها تحمي الذكر وتدين الأنثى التي ليست سوى مادة لغواية الذكر الذي يمكنه أن يتحرش بها متى شاء ذلك.
عمر وردة ابن هذا السياق، ابن سياق البطرياركية العربية الذكورية التي تنتهك الأنثى بكل حياتها وتعلي من شأن الذكر مهما ارتكب من موبقات وكبائر، ولا يبدو، لسوء الحظ، أن هذا سيتغير قريبا، إذ نعيش نحن العرب، حاليا، عصر السلطات الذكورية بأسوأ أشكالها، عصر انتهاك الإنسانية والآدمية، هذا الانتهاك الذي لا ينتج سوى أكثر أشكال السياقات انحطاطا.
بقلم: رشا عمران

رشا عمران