كتاب وأراء

يـولـيـو الأسـود في ذاكرة مصر الجمهورية! « 1 »

ارتبط شهر يوليو دون غيره في ذاكرة المصريين بالانقلابات العسكرية وتغيير نظام الحكم القائم بقوة السلاح، ولأن التاريخ يثبت بين أوراقه أنه من النادر، بل شبه مستحيل، أن يأتي انقلاب عسكري بالخير للشعوب،
ولهذا يستحق شهر يوليو في تاريخ مصر الجمهوري لقب الشهر الأسود بجدارة؛ نظرًا لما ارتبط به من أحداث درامية وما أحدثه من تغييرات جذرية في بنية الدولة المصرية من حيث الفئات المتنفذة والنظام السياسي والقوى المؤثرة فيه، بحيث أصبح هناك خط فاصل تسهل رؤيته بكل وضوح ويمكن معه تقسيم التاريخ المصري منذ منتصف القرن العشرين وحتى يومنا هذا، مصر ما قبل يوليو 1952 وما بعده، وما قبل يوليو 2013 وما بعده.
ومن المفارقات، أن شهر يوليو نفسه تمت تسميته نسبة إلى الإمبراطور «يوليوس قيصر» الذي تشير أغلب المصادر التاريخية إلى ميلاده في الثالث عشر من يوليو عام 100 قبل الميلاد، ثم تدبير انقلاب عليه واغتياله في مؤامرة اشترك فيها أقرب المقربين إليه ولا تزال جمتله الشهيرة «حتى أنت يا بروتس» وفي رواية أخرى «حتى أنت يا ولدي» تستخدم حتى يومنا هذا للتعبير عن الخيانة الغير متوقعة، فحين هجم عليه من تآمروا ضده أظهر بعض المقاومة حتى جاء صديقه المقرب ماركس بروتس، فتوقف عن المقاومة وسقط قتيلًا في مارس 44 قبل الميلاد.
في مصر العسكرية، هناك ثلاثيات أو لنقل متلازمات لها الجانب الأكبر في تشكيل البنية الأساسية للدولة وتحديد خطوط وخيوط اللعبة السياسية، والتي يربح العسكر فيها دومًا وهي ثلاثية المال والدين والسياسة، تقابلها ثلاثية أو لنقل تمثلها ثلاثية العسكر والإسلاميين والتيار المدني، والذي يمكن حساب الكنيسة المصرية عليه؛ نظرًا لانحيازها إلى جانبه في أغلب الأحيان وإلى الجانب العسكري لو اختلف العسكر مع التيار المدني، ربح المؤسسة العسكرية الدائم دومًا أي صراع ولو جزئي لحكم مصر الجمهورية ويرجع هذا الربح في أغلب الأوقات ليس إلى حنكة العسكر وحسن تدبيرهم، بقدر ما هو لعب على التناقضات بين معسكري اليمين واليسار؛ نظرًا لاختلاف رؤية وأيديولوجية كل فريق وكلاهما لم يتعلم من أخطاء الماضي الحاضر ولا يبدو أن لديهم استعداد لتداركها في المستقبل القريب، والخطيئة الكبرى هي تمكن المؤسسة العسكرية من البقاء كالطرف الأقوى في المعادلة بالتزامن مع تهميش مستمر ومتعمد لغالبية الشعب المصري ولديها القدرة على تغيير دفة الواقع السياسي لحصد المكاسب بشتى أنواعها، سياسية واقتصادية وحتى اجتماعية، واحتفاظها بتلك الميزة مهما كان الطرف الثالث في المعادلة، والذي كان ولا يزال يتبادل المكان فيه التياران الإسلامي والمدني.
نعم هي في مصر دومًا معادلة ثلاثية الأطراف، الأول هي المؤسسة العسكرية، والتي حلت محل أسرة محمد علي بعد حركة 23 يوليو 1952 وتنحية الملك فاروق ثم مجلس وصاية على الملك الأخير أحمد فؤاد الثاني -الطفل الرضيع- حتى عزله وإعلان الجمهورية الأولى في 18 يونيو 1953 وكان الطرف الثاني جماعة الإخوان المسلمين التي خرج من رحمها حرفيًا وفعليًا تنظيم الضباط الأحرار على يد النقيب في سلاح المشاة عبدالمنعم عبدالرؤوف وتوالي الاحداث، حتى تمكن جمال عبدالناصر من الانفراد بالقائمة الكاملة للضباط المنتمين للتنظيم الإسلامي النشأة ثم ضم إليه ضباط آخرين من خلفيات شتى وكان ما كان من الاستيلاء الكامل على السلطة والانقلاب على الجماعة فيما بعد وإطاحة جمال عبدالناصر بالرئيس محمد نجيب واعتقاله وتقاسم السلطة بين أفراد مجلس قيادة الثورة ثم انفراد عبدالناصر تمامًا بها وصراعه الدامي المعروف مع جماعة الإخوان المسلمين حتى وفاته.
وكان الطرف الثالث والذي تم إقصاؤه هو التيار المدني والمتمثل في حزب الوفد، والذي تم عزل مصطفى النحاس من رئاسة الحكومة في 29 يناير 1952 عقب مجزرة الإسماعيلية التي قام بها الإنجليز ضد قوات الشرطة المصرية وحريق القاهرة وكتبت تلك الحوادث المقدمة الفعلية لحركة يوليو 1952 وإبعاد التيار المدني المتمثل في الوفد والملك من معادلة الحكم وقدوم نخبة حاكمة جديدة متمثلة في المؤسسة العسكرية أو ما اصطلح على تسميته «مجلس قيادة الثورة».
بقلم: جمال الهواري

جمال الهواري