كتاب وأراء

قمة العشرين .. تبريد أزمات للتفرغ لأخرى - (1)

كانت هذه القمة في بلاد الشمس المشرقة مختلفة عن سابقاتها في كونها تعقد وسط عالم متوتر سواء بسبب التصعيد الأميركي الإيراني الحاصل في الخليج، أو بسبب الحرب التجارية الدائرة بين الولايات المتحدة والصين، أو بسبب أن أوضاعاً إقليمية في أكثر من صقع بالعالم في مفترق طرق ينتظر لها توالي مختلفة عن مقدماتها، ورغم ذلك فقد أعلنت بيونغ يانغ وواشنطن إنهاء علاقاتهما العدائية باجتماعهما الرمزي في بانمونجوم، إذ حلقت «روح أوساكا» فوق المنطقة المنزوعة السلاح بين الكوريتين، إلى حيث فاجأ ترامب العالم بعد قمة العشرين. وقد اتفقت الولايات المتحدة وكوريا الديمقراطية على تشكيل مجموعات عمل من المسؤولين لاستئناف المفاوضات بشأن القضية النووية، التي توقفت بعد فشل قمة هانوي.
إن هذه القمة بملفاتها ولقاءاتها الثنائية وكل ما تمخض عنها مادة خصبة لقارئي الفنجان السياسي الذين يبذلون جهدهم، وأحيانا دجلهم، لاستقراء ومحاولة التنبؤ بما هو آت في عالم يرتعب مما يتردد عن حرب عالمية ثالثة بقترب اندلاعها، ومع ذلك يمكن القول إن ما أعلن في أعقاب عدد من اللقاءات الثنائية ليس كل ما دار وحدث في هذه اللقاءات، خاصة أن الرئيس الأميركي ترامب أطلق وعداً مسبقاً قبيل انعقاد هذه القمة بأنه لن يفشي كل ما يدور في مباحثاته مع الرئيس الروسي بوتين، ما يعني أن مباحثات الزعيمين في «أوساكا» تطرقت إلى موضوعات وقضايا ساخنة، وأنه لن يماط اللثام عن تفاصيل ما دار بينهما، إما لخطورته أو لحساسيته، وإما أيضاً لضبط وهندسة رود الأفعال في حال انفجار مفاجئ لأزمة من الأزمات، وبالتالي كان هناك جدول أعمال مواز غير معلن لملفاتها الاقتصادية.
وثمة من يرى أن الرئيس ترامب وإن كان قد ذهب إلى «أوساكا» بثقة قائد أهم اقتصاد عالمي ورئيس الدولة العظمى الأقوى اقتصادياً، فقد تعمد تبريداً تكنيكياً لأزمات شائكة في العالم، ومنها تعويم شركة هواوي الصينية مجدداً، وعقد هدنة في الحرب التجارية مع الصين، واتجاهه لزيارة كوريا الشمالية لأول مرة، والاتفاق مع زعيمها على مباحثات بين البلدين، من خلال وفدين يناط بهما استئناف التفاوض، وذلك ليكون بوسع ترامب التركيز على قضايا أخرى في مقدمتها الوضع المتوتر في الخليج.
إن هذه القمة وإن تقيدت ظاهرياً بطبيعتها الاقتصادية في بيانها الختامي، إلا أن قضايا السياسات الدولية وخاصة المتوتر منها، بحثت بتفصيل في اللقاءات الثنائية للزعماء حضور هذه القمة، فتقدمت قضايا السياسة على ملفات الاقتصاد، وكان ذلك طبيعياً، نظراً لظروف سياسية شائكة يمر بها العالم الراهن.
وإذا كانت هذه القمة قبل انعقادها بأسابيع قلائل قد حظيت بتأجيل ردود الفعل المتبادلة في أكثر من أزمة متوترة بالعالم، حتى لا يؤدي انفجار مباغت ما في أي أزمة منها إلى تأجيل انعقادها إلى أجل غير مسمى، فإن العالم يحبس الآن أنفاسه بعد زوال مفعول هذه القمة.
(يتبع)
بقلم: حبشي رشدي

حبشي رشدي