كتاب وأراء

العقوبات الاقتصادية الأميركية.. وموازين القوى الدولية الجديدة - ( 3)

إن واشنطن تواجه مشكلتين كبيرتين في الاستمرار في مثل هذه الحرب الاقتصادية، الأولى أن الدول الأخرى التي تتعرض للعقوبات الأميركية تملك القدرة على الرد وإلحاق الخسائر بالاقتصاد الأميركي وإن ليس بنفس النسبة التي تلحق بها، وهو ما دفع الشركات الأميركية المتضررة من حرب رفع الرسوم المتبادل بين واشنطن وبكين وكذلك المزارعين الأميركيين وظهيرهم من الفئات الأميركية إلى رفع الصوت بمطالبة إدارة ترامب بمراعاة مصالحهم وعدم الاستمرار في هذه الحرب التي تلحق بهم خسائر كبيرة، وهم غير قادرين على الاستغناء عن سوق الصين الكبيرة وإن وجدت بدائل عنها فإنها ستكون مكلفة عدا عن أنها لن تعوض خسارة سوق الصين. أما المشكلة الثانية فتكمن في أن هذه العقوبات تدفع الدول الرافضة لها والداعية إلى بناء نظام متعدد الأقطاب يضع نهاية لنظام القطب الأوحد، إلى مقاومة هذه العقوبات عبر إيجاد بدائل تعزز التجارة فيما بينها بوساطة العملات الوطنية بدلا من الدولار، وهو ما بدأت اعتماده فعليا كل من الصين وروسيا وإيران، وسوف تتبعهم دولا أخرى مثل الهند وتركيا وفنزويلا وكوبا.. إلخ. وفي الوقت نفسه، فإن الصين وروسيا، الأولى تملك ثاني أكبر اقتصاد في العالم والثانية تملك القوة العسكرية التي تضاهي القوة الأميركية وأيضا الثروات الكبيرة وفرص الاستثمار الواعدة، قررتا عدم الالتزام بالعقوبات الأميركية الأحادية المفروضة على النفط الإيراني، فالصين أعلنت أنها ستواصل استيراد النفط من إيران وفعلا تسلمت منذ أيام أول شحنة من إيران، وروسيا قررت بدورها أن تشتري النفط من إيران وتتولى شركاتها النفطية تسويقه وبيعه في الأسواق العالمية. وفي المقابل، اضطرت واشنطن إلى تمديد إعفاء العراق من عدم استيراد الغاز الإيراني وحاجتها من الطاقة الكهربائية، فيما الدول الأوروبية ونتيجة قرار إيران البدء بتقليص التزاماتها بالاتفاق النووي بعد تلكؤ الدول الغربية في تنفيذ موجباتها فيه، اضطرت هي الأخرى إلى المسارعة إلى عقد اجتماع مع إيران توصل كما رشح عن اتفاق بإطلاق الاتحاد الأوروبي نظام للعمليات المالية مع إيران جرى فتحه أمام سبع دول أوروبية فقط، في حين تطالب موسكو بضرورة منح الانضمام إليه للدول خارج الاتحاد الاوروبي بما في ذلك روسيا.. وطبعا إذا تحقق ذلك فعلا وتم استئناف أوروبا استيراد النفط الايراني بالكميات التي كانت قبل فرض العقوبات الأميركية، فإن ذلك يشكل بكل تأكيد تطورا كبيرا يكسر من جهة القرار الأميركي، ويحدث بداية أول تمرد أوروبي على القرار الأميركي، إلا إذا كانت الخطوة الأوروبية جاءت بضوء أخضر أميركي لأنه لم بالإمكان الاستمرار في سياسة إبقاء إيران ملتزمة من جانب واحد بالاتفاق النووي.
هذه المشكلات التي تعترض سياسة العقوبات الأميركية إنما تعكس التحول في ميزان القوى العالمي وعدم قدرة أميركا على استعادة هيمنتها الاقتصادية والسياسية على القرار الدولي، وإن مثل هذه السياسة لا تقود إلا إلى مزيد من التمرد على القرارات الأميركية الأحادية وكشف عجز القوة الأميركية من جهة، ومأزق الإمبراطورية الأميركية التي لم تعد قادرة على الاحتفاظ بتربعها على عرش العالم والتحكم به.
وأنها ستكون مضطرة لمعالجة المشكلات والأزمات العالمية إلى التفاهم مع الدول الأخرى لإيجاد تسويات ترضي الجميع.. ويبدو أن هذا ما قرر سلوكه الرئيس الأميركي ترامب الذي أعلن على هامش قمة العشرين بعد اجتماعات ثنائية مع كل من نظيريه الصيني والروسي، عن استئناف المفاوضات التجارية مع الصين ورفع العقوبات عن شركة هواوي، فيما لفت إلى أهمية تعزيز التبادلات التجارية مع روسيا التي تملك ثروات معدنية مهمة تحتاج إليها الولايات المتحدة.
بقلم: حسين عطوي

حسين عطوي