كتاب وأراء

أمعاء خاوية ومؤسسات معارضة متخمة بالفشل

قبل ما يقارب الشهر، أعلن المهندس السوري بريتا حج حسين، اللاجئ في فرنسا، إضرابا مفتوحا عن الطعام أمام مبنى الأمم المتحدة في جنيف، احتجاجا على ما تتعرض له مدينة إدلب وريفها من قصف وحشي من قبل قوات النظام السوري والقوات الروسية الحليفة، في محاولة منه للفت أنظار الرأي العام العالمي إلى ما يحدث في إدلب، وسرعان ما انضمت إليه مجموعة من الناشطين السوريين، وأعلنوا إضرابا مفتوحا عن الطعام واعتصامات يومية في المدن التي يسكنون بها في دول أوروبا وأميركا.
حتى أن الحملة شارك فيها حتى الآن ما يقارب أربعة آلاف سوري وسورية، ومعهم بعض الناشطين الأوروبيين والأميركان من المؤمنين بقضية الشعب السوري، وممن يرون أن العالم السياسي متواطئ بالكامل ضد السوريين وضد ثورتهم ورغبتهم بالتغيير السياسي.
وتعتبر (معركة الأمعاء الخاوية) واحدة من أهم النضالات السلمية التي يمكن أن يقوم بها مناضلون ضد ما يتعرضون له من عسف وظلم، ولعل أشهر هذه المعارك هو ما قام ويقوم به المناضلون الفلسطينيون في سجون الاحتلال الإسرائيلي، التي كانت تلفت نظر العالم إلى قضية احتلالهم المديد، ويعرف التاريخ العربي الحديث معارك أمعاء خاوية مشابهة قام بها معتقلون في الدول العربية (فردية وجماعية)، كان مصيرهم الموت بسبب غض النظر من قبل الرأي العام العالمي عنهم، وبسبب فجور واستبداد وإجرام الأنظمة التي اعتقلتهم، وتركهم لمصيرهم في معتقلات الموت، دون نقلهم حتى إلى المشافي الحكومية، ليتلقوا علاجا سريعا يبقيهم على قيد الحياة، وهو ما تفعله، للمفارقة، سلطة الاحتلال الإسرائيلي مع المعتقلين الفلسطينيين.
وخلال السنوات الثماني الماضية، قام العديد من السوريين بإضرابات مشابهة في سوريا وخارجها، للفت أنظار العالم إلى ما يحصل مع السوريين، لا سيما بما يخص العدد الهائل من العتقليين والمغيبين في معتقلات النظام السوري، والذين تتوارد أخبار مقتلهم تحت التعذيب واحدا إثر الآخر، حتى بلغ العدد المعروف لمن قتلوا تحت التعذيب في المعتقلات السورية عشرات الآلاف من خيرة شباب سوريا، وقدم ناشطون سوريون وثائق رسمية وصورا تكشف طرق التعذيب حتى الموت، وصدر نتيجة ذلك ما عرف بـ «قانون قيصر» الرامي إلى حماية المدنيين السوريين داخل وخارج المعتقلات السورية، دون أن ينتج عن هذا القانون أي أثر ملموس، لا على مستوى محاسبة المسؤولين عن ارتكاب هذه الجرائم غير المسبوقة، ولا على مستوى حماية المدنيين من الاعتقال والإخفاء وربما الموت تحت التعذيب، إذ ما زال النظام السوري، حتى اللحظة، يعتقل مواطنين سورييين سلميين، لمجرد إبداء رأي مخالف ومعارض لما يحصل من إجرام وموت وتقسيم للمجتمع السوري، وما زالت أخبار وأسماء المقتولين تحت التعذيب تصل إلى الإعلام العالمي أيضا حتى اللحظة، دون أن يحرك العالم ساكنا، ودون أن تكلف الأمم المتحدة نفسها وتبدأ بتفعيل قانون قيصر.
على أنه لم يسبق في السنوات الماضية أن انضم هذا العدد الكبير من الناشطين السوريين في الخارج والداخل إلى نشاط سلمي مثل معركة الأمعاء الخاوية الأخيرة، هي المرة الأولى ربما التي يصل فيها عدد المشاركين في حملة مشابهة إلى هذا الحد، وفي كل دول العالم التي تسمح بالاعتصام وبحرية التعببير عن الرأي، وهو ما تستثنى منه الدول العربية طبعا، حيث أعلن بعض السوريين الإضراب عن الطعام في منازلهم، دون الاعتصام في الشوارع أو الساحات الذي يقوم به الناشطون في دول أوروبا. ويبدو أن الحملة تزداد اتساعا وانتشارا مع إعلان أسماء المزيد من المشاركين والمنضمين إلى الحملة حول العالم، وبجهود شخصية وفردية، خصوصا بعد أن أصبح للحملة شعار خاص بها صممه ووزعه ناشطون سوريون على وسائل التواصل الاجتماعي، وهنا يعيد السؤال السوري التاريخي نفسه: أين مؤسسات المعارضة السياسية التي تنطحت لتمثيل الثورة السورية عما يقوم به ناشطون سوريون مدنيون؟! أين اللجنة العليا للمفاوضات مما يحدث حاليا؟! لماذا لا يتم استغلال هذه الحركة العفوية السلمية لتغيير النظرة التي تشكلت لدى الرأي العام العالمي عن الثورة السورية بوصفها (إرهابية)! لماذا لا تقوم الأنتلجنسيا السياسية السورية بأي فعل مؤيد لهذه الحركة لتمتد أكثر، وتغطي بوسائل حماية رسمية، ويتم توجيه الأنظار إلى مطالب الناشطين في الحملة بما يكفل إعادة الاعتبار إلى المأساة السورية بكل تفاصيلها، بدل أن تطوى هذه الحملة بعد حين في النسيان، كما كل النشاط المدني السوري لصالح التشكي والمظلوميات الفارغة طلب التسليح ودعم التطرف الذي أتقنته مؤسسات المعارضة السورية العاجزة حتى اللحظة عن وضع مطلب واحد يفيد الثورة السورية أمام الرأي العام العالمي.
بقلم: رشا عمران

رشا عمران