كتاب وأراء

«14» يوليو تموز

في مثل هذا اليوم من العام 1934م وُلد داشرات مانجي! قد يبدو الاسم غريباً وغير مألوف، فهو ليس أديباً يُشار إليه بالبنان، ولا سياسيا اعتلى سدة الحكم يوماً، ولا طبيبا اجترح معجزة، ولا اقتصاديا فذّا، ولا رجل أعمال ناجحا، كل ما في الأمر أنّه كان إنساناً عظيماً بكل ما تحمله الكلمة من معنى!
كان داشرات مانجي عاشقاً لزوجته، تربطه بها علاقة حب متينة، وذات يوم أُصيبت زوجته إصابة خطيرة استدعتْ نقلها إلى المستشفى على جناحِ السرعة، ولكن بسبب أن القرية نائية والطريق إلى المدينة مُلتفّ معوجّ يُقدّر بحوالي سبعين كيلومتراً تأخّرتْ سيارة الإسعاف بالحضور فلفَظَتْ الزوجة أنفاسها الأخيرة على ذراع زوجها المُحب!
لم يُرد داشرات أن يعيش أحد سكان القرية تجربته المريرة فقرَّرَ وحده أن يشق طريقاً مختصراً في الجبل باستخدام فأس ومعول فقط! ولمدة اثنتين وعشرين سنة، كان يحفر الصخر دون كلل ولا ملل، حتى استطاع أخيراً أن يشق طريقاً طوله مائة وعشرة أمتار بعرض تسعة أمتار ووصل القرية بالمدينة بحيث صارت المسافة بين القرية والمدينة خمسة عشر كيلومتراً بعد أن كانت سبعين كيلومتراً!
يُعجبني هؤلاء البشر النُّبلاء الذين يدفعهم حزنهم إلى العمل كي لا يذوق الآخرون الحزن الذي ذاقوه هم، واحد غير داشرات لربما انطوى على نفسه، واسودّت الدنيا بعينيه وانزوى في بيته يندب زوجته، ولكنه شمَّر عن ساعديه، وشقّ جبلاً بمعول وفأس لأجل الآخرين، فالشخص الذي كان يهتم لأمره قد مات ولم يُرِد أن يموت الآخرون بسبب هذا الجبل الذي يحول بينهم وبين مستشفيات المدينة!
نبيلٌ هو الإنسان الذي لا تسلبه تجاربه المريرة إنسانيته!
بقلم: أدهم شرقاوي

أدهم شرقاوي