كتاب وأراء

واشنطن وتسعير صراعات النفط والغاز

يرفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب الامتثال لقانون العرض والطلب بشأن الطاقة، وتحديداً الطاقة الأحفورية والغاز الطبيعي، فيتدخل ليشتري الاتحاد الأوروبي الغاز الصخري الأميركي، بدل الغاز الرّوسي (وهو أقل ثمنًا وأعلى جودة من الغاز الأميركي)، ويضغط على منظمة «أوبك» لكسر قواعد المنظمة التي تُحَدّد حصة كل دولة (بالتعاون مع الدول غير الأعضاء، لتَجَنُّب تضارب المصالح)، وبزيادة الإنتاج، وتعويض الإنتاج الإيراني الذي يخضع للعقوبات الأميركية ومنع التصدير، بهدف خفض سعر برميل النفط الخام في الأسواق العالمية وإغراقها، ولكي يستأثر النفط الصخري الأميركي بمزيدٍ من الخاصيات التنافسية، وبذلك يتدخّل الرئيس (والنظام الحاكم) في الولايات المتحدة في سيْر آلِيّات السّوق اعتقادًا منه إن الولايات المتحدة قادرة على فَرْضِ سيطرتها على العالم في هذا الميدان الحيوي، واغتنام ألفُرْصَة لابتزاز الشركاء وتهديد المنافسين والخُصُوم، علماً أن تكلفة استخراج نفط مجموعة منظمة «أوبك» في مُجْمَلِها منخفضة مقارنة بالنفط الصخري الأميركي. الولايات المتحدة أكبر منتجي عالمي للنفط، وتنتج نحو 11,1 مليون برميل يومياً، وتنتج روسيا نحو 11,07 مليون برميل يومياً، والسعودية نحو 10,7 مليون برميل يومياً وتدفعها الولايات المتحدة لزيادة الإنتاج اليومي إلى نحو 12,5 مليون برميل يومياً، ولكن الولايات المتحدة تحتل المرتبة الأولى أيضًا بخصوص الإستهلاك بنحو 20,41 مليون برميل يوميّاً.
من جانبٍ آخر، تستهلك الولايات المتحدة قرابة 20 % من إجمالي الاستهلاك العالمي من الطاقة الإحفورية والغاز الطبيعي، وتستورد نحو ثمانية ملايين برميل يومياً كخام تعمل على تكريره واعادة تصديره، وتُصَدِّرُ نحو 1,7 مليون برميل يومياً من نفطها، إضافة إلى الغاز الصّخري، وفق بيانات إدارة الطاقة الأميركية. كما وتُقَدَّرُ احتياطيات الولايات المتحدة بنحو 33 مليار برميل، واحتياطيات روسيا بنحو 80 مليار برميل، واحتياطيات فنزويلا بأكثر من 260 مليار برميل، واحتياطيات السعودية بنحو 200 مليار برميل (تختلف تقديرات احتياطي البلدان بحسب المصادر)، فيما تتربع دولة قطر العربية في الموقع الثالث من حجم احتياطات الغاز الطبيعي في العالم.
لقد ارتفع الطلب العالمي على الغاز سنة 2017 بنسبة 3,3 %، ليَزيد الاستهلاك عن ثلاثة آلاف وأربعين مليار متر مُكعّب، ويتوقع ازدياد ارتفاعه حتى 2030، وارتفاع الأسعار بنحو 1 % سنويًّا، وارتفاع الإستهلاك إلى حوالي 100 مليون برميل يومياً وهو مايضيف اعباء جديدة لها علاقة بتزايد ظاهرة «احترار الغلاف الجوي»، لذلك عمدت الصين إلى زيادة استهلاك الغاز بدل الفحم لتوليد الكهرباء الضرورية لصناعاتها، بهدف تخفيف حدة التّلَوّث، فارتفع بذلك الطّلب على الغاز في الصين بنسبة 15% خلال العام 2018 عن العام الذي سبقه، كما ارتفع استهلاك الغاز في الوطن العربي وفي إفريقيا، وزاد حجم استخدامه لتوليد الكهرباء، بسبب رُخْصِ سِعره (مقارنة بالنّفط) وانخفاض حجم التلوث عند استخدامه، ويتوقع أن يتواصل الطلب القوي على الغاز حتى منتصف القرن الواحد والعشرين، قبل أن تحل مَحلّه الطاقة المستدامة (الشمس والرياح والمياه...).
بالنتيجة، يأخذ صراع الغاز والنفط، مسارات جديدة له في الوقت الحاضر مع السياسات الأحادية الأميركية المتخذة من طرفٍ واحد، فيما تقارع المنظومات الدولة الكبيرة تلك السياسة الأميركية المتعلقة بالنفط والغاز، وقد تقع تطورات دراماتيكية في هذا الجانب حال فشل إيران في تصدير نفطها وفق العقوبات الأميركية المتخذة بحقها دون الرجوع للهيئات الدولية المعنية.
بقلم: علي بدوان

علي بدوان