كتاب وأراء

هل واشنطن وموسكو إلى سباق تسلح؟

قد يلتمس خبراء ومراقبون عذرا للأميركيين لو أنهم أرادوا إثبات أن ترساناتهم ملأى بأسلحة متفوقة يمكنها الفتك بالأسلحة الروسية التي يتردد اسمها الرقمي هذه الأيام بكثرة، من خلال منازلة أو منازلات عسكرية بالوكالة، وليست واشنطن وحدها هي التي تسعى إلى تفوق تسليحي على الأسلحة الروسية، بل إن الدولة العبرية تشارك بلاد العم سام في هذا المسعى، وذلك لأن الأخيرة أصبحت محاطة بشبكات صواريخ روسية متفوقة، مما يضعف سلاحها الجوي الذي يوصف بأنه الذراع الإسرائيلي الطولى في استهداف أهدافه استباقيا قبيل اندلاع الحروب أو حتى خلال اندلاعها وتدرك كل من واشنطن وتل أبيب أنه لا يجب الاستخفاف بتصريحات كان قد أطلقها الرئيس الروسي بوتين خلال انعقاد المنتدى الاقتصادي في سان بطرسبوغ مطلع يونيو الماضي، والتي شدد فيها على أن بلاده قد تجاوزت منافسيها في مجال صناعة الأسلحة المتفوقة. ومن ثم ينبغي تشغيل مراكز أبحاث إنتاج الأسلحة في كل من البلدين الحليفين لتعمل باقصى طاقتها، من أجل استعادة التفوق على السلاح الروسي، وأضعاف سمعته المتنامية في سوق السلاح الدولي، خاصة أن الروس يواجهون مشاكل مالية فعلية في تمويل أبحاثهم العسكرية حتى أنهم اضطروا مؤخرا إلى تقديم عرض لدولة عربية للتعاون الثنائي في إنتاج طائرة فرط صوتية، وغالبا ليس وراء هذا العرض إلا تأمين كلفة هذه الأبحاث اللافت أن الأميركيين لم يسرعوا إلى الرد على تأكيدات الرئيس الروسي على تفوق بلاده تسليحيا، غيرر أنه لا يمكن قبول هذا الصمت الأميركي بأنه اعتراف ضمني بما جاء في تصريحات الرئيس الروسي، وأغلب الظن أن خبراءهم يعملون دون ضجيج، ومن غير الكشف عن أسرار، ومن دون مباهاة بما في حوزتهم من أسلحة فتاكة، ما يعني أن سباق تسلح حقيقي قد انطلق وبدأ بالفعل، وأن هذا السباق لا تصاحبه وتقترن به حرب باردة، كما كانت سوابق سباقات التسلح، بل إن هذا السباق ينتظر التعبير عن بعض نتائجه وإرهصاته من خلال حرب محدودة وسريعة في صقع ما في العالم يكشف فيها النقاب عن أن السباق الصامت في التسلح بين العملاقين قد أنتج قدرات تدميرية ومتفوقة وعالية. ومن ذلك على سبيل المثال تقرير خطير عرضته شبكة «سي.أن.أن» الأميركية في يونيو الماضي يشير إلى ما تمتلكه بلاد العم سام فعليا من أسلحة بالغة التفوق إلكترونية - سيبرانية، كهرومغناطيسية، وبيئية – إيكولوجية جرى استخدامها في ساحات وأصقاع متعددة استهدفت البنى التحتية والمرافق الحيوية لخصومها، ومنها مثلا السلاح الكهرومغناطيسي الذي تم استخدامه في فنزويلا لقطع الكهرباء، بل وهناك أسلحة خطيرة أخرى لم يكشف النقاب عنها، فجراب ترسانات «البنتاغون» تحوي الكثير والمذهل، وهكذا ألمح تقرير الشبكة الأميركية. ويمكن القول إن الإلغاء المتبادل لمعاهدة الصواريخ المتوسطة والقصيرة المَدى التي كان قد وقعها الرئيسان ريجان وجورباتشوف، باسم الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي عام 1987، بسبب ادعاء كل من طرفيها باختراق الآخر لها. ليس فقط هو ما يشعل سباق التسلح الحاصل حاليا، بل إن هذا السباق قد بدأ قبيل هذا الإلغاء وزادت وتيرته من بعد ذلك، كما أن معطيات عدة في البيئة السياسية في العالم قد أسهمت في اشتعال هذا السباق، خاصة أن الولايات المتحدة تستشعر تحديات كبرى لا بد أنها سوف تترتب على تغير فعلي في النظام الدولي باتجاه نظام متعدد الأقطاب، وهو التغير الذي يستهدف مشاركتها بفاعلية في إدارة والتاثير على الأزمات في العالم.
بقلم: حبشي رشدي

حبشي رشدي