كتاب وأراء

ماذا بقي منه ومنها؟

ربما لم يكن جمال عبدالناصر نفسه يتخيل ما الذي ستؤول إليه الأمور وهو ينطلق مع رفاقه «الضباط الأحرار» ليقلب نظام الحكم في مصر، ولم يعلنوا الجمهورية إلا في العام التالي، وسموا تحركهم «الحركة المباركة»، قبل أن يسموه «ثورة».
فإذا عدنا إلى المبادئ الستة التي قامت عليها حركتهم، نجدها تتضمن «العدالة الاجتماعية» وليس «الاشتراكية»، وتتضمن «إقامة حياة ديمقراطية سليمة»، وهذا يعني وجود أحزاب ونقابات وصحافة حرة وانتخابات وبرلمان، ولا يمكن أن يدعي أحد أن «الاتحاد القـومي» أو «الاتحـاد العربي الاشـتراكي» أو «تحالف قوى الشـعب العاملة» يحقق هذه الديمقراطية، أو أن مجلس الشعب (حتى الآن) برلمان حقيقي، أما الصحافة فإن الأرقام تكشف أنها في أسوأ أحوالها منذ 1952.
هل كان مجلس قيادة الثورة يدرك مبكراً أن مصر كلها ستنسب إلى جمال عبدالناصر؟ وأن الحقبة من 1956 إلى 1970 ستسمى الحقبة الناصرية؟ وأنهم كلهم سيتراجعون إلى الصف الثاني والثالث، ليبرز جمال عبدالناصر وحده زعيماً عربياً أولاً ثم إفريقياً، ثم واحداً من زعماء العالم الثالث؟ هل كان جمال نفسه يتخيل أنه سيكون زعيم الأمة العربية، يتخوف منه الحكام وتتعلق به الجماهير على أنه القائد الأوحد المنقذ المخلـّص، ويستطيع بخطاب عبر راديو صوت العرب أن يحرك جماهير الأمة من البحر إلى البحر؟
لقد حقق الزعيم ورفاقه إنجازات كثيرة وكبيرة لشعب مصر العربية أولاً ثم للأمة العربية، وبعد ذلك للشعوب المقهورة الساعية إلى التحرر، وما فعلته الثورة لفقراء مصر وبسطائها في أقل من عقدين، لم يكن ليتحقق خلال قرن كامل من حكم الملكية، لكن الثورة وزعيمها أصيبا بانتكاسات كبيرة أيضاً وتعرضا لخيبات أمل كبيرة كانت هزيمة 1967 قمتها.
وبعد 67 سنة على قيام الثورة في مثل غد، و49 سنة على رحيل قائدها، ماذا بقي من الثورة، وماذا بقي من الناصرية؟ لم يبق من الثورة إلا القليل مما لا يمكن إلغاؤه، أما الناصرية فلم يبق منها شيء، حتى إن الناصريين في مصر نفسها لا يشكلون قوة سياسية
هل نستطيع الحديث عن «الآيدولوجية الناصرية» كالماركسية اللينيية مثلاً؟ مشكلة الناصرية أنها ليست نظرية متكاملة، وليست منهجاً منه انطلقت الثورة، إنها استلهام لفكر ناصر، وناصر لم يكن رجل فكر، وكان يتعلم من «تجربة الصواب والخطأ» كما أعلن بنفسه، ولا يجوز أن تجرب الصواب والخطأ في مصير أمة بكاملها. ولم يكن حوله «وربما لم يسمح ناصر بذلك» رجال يغنون فكر الثورة ويؤصلونه، فغاب القائد، وبدأت معاول الهدم تعمل، حتى لم تبق حجراً على حجر.
بقلم: نزار عابدين

نزار عابدين