كتاب وأراء

قطع الرقبة.. زلــة لســان أم منهجيــة نظـام؟! «2»

بما أن الجلسة كانت ودية فقد تخلت عن الحذر وتمرير كل كلمة تنطق بها للفلترة على غرار رأس النظام الذي يمثله الجنرال السيسي، فاندفعت في وصلة مستهلكة سأم الجميع سماعها المؤيد قبل المعارض عن كون مصر بلدنا جميعًا، ولا يوجد لدينا بلد غيرها وهي من تحتوينا مهما اغتربنا عنها، ولا نتحمل أي كلمة عليها، ومن يقول كلمة عنها ويسيء إليها ماذا يحدث له؟ يتقطع مع إشارة قطع الرقبة كما ظهر بوضوح في الفيديو المسرب للاجتماع الذي تم تداوله على نطاق واسع على شبكات التواصل الاجتماعي وتناقلته وسائل الإعلام، وسارعت هي بمحاولة نفي أن يكون هذا التصريح الدموي متعمدًا وأن كلماتها تم تحريفها واجتزأت من سياقها وقالتها على سبيل التكلم بعفوية وبساطة.
وفي معرض دفاعها عن نفسها، قالت في اتصال مع إحدى محطات التلفزة الموالية للانقلاب في مصر إن من سرب الفيديو وقام بتحريفه صحفي مصري يعمل في قناة الجزيرة القطرية، ولا أدري ما علاقة هذا بمحتوى الفيديو الصحيح ليأتي هذا التبرير العجيب بمثابة النفي الذي يثبت ويؤكد مقصدها العنيف ولا يبعدها عنه، لكنه يعبر عن النظام البائس الذي روج واختصر أعداء الدولة في مخيلة مؤيديه ضمن قائمة محددة تضم قطر والجزيرة وتركيا والإخوان قد تضاف وتحذف أطراف أخرى حسب الحاجة، لكن يبقى الرباعي المذكور هو عصب القائمة الذي لا يتغير.
تصريح نبيلة مكرم عبيد جاء في سياقه الطبيعي ويعبر بوضوح وبساطة عن ماهية النظام وسلوكياته ومنهجيته، البلطجة هي أسهل طريق لفرض رؤية النظام والتهديد والوعيد هو الاتجاه المفضل لفرض رأيه، التطبيل للنظام هو مقياس الوطنية والانتماء، قطع الرقبة فعليًا ومجازيًا ومعنويًا هي الطريقة المثلى والمفضلة لاستهداف معارضي النظام ومحاولة إسكاتهم ومساومتهم، يتساوى في تلك الطريقة والمنهجية جميع منتسبي النظام من الوزير إلى الغفير. نادية مكرم عبيد وتصريحها لن يكونا بالشيء الغريب أو المفاجئ لو قمنا بوضعهما في مكانهما الطبيعي والملائم، ومن وجهة نظرها اليقينية هي وكل أفراد المنظومة الحاكمة، تلك المجموعة دمجت في عقولها وأفعالها وخدمة لمصالحها الشخصية والطبقية الوطن والنظام في بوتقة وكيان واحد غير منفصل، فالوطن متجسد في النظام ولا وجود للوطن بدون النظام، وبالتالي من ينتقد النظام ويعارضه لأي سبب كان فهو عدو للوطن وخائن له، ووجبت معاقبته ويستحق قطع الرقبة بالمعاني المتعددة للمصطلح، فقطع الرقبة يكون عبر الأحكام القضائية المسيسة والجائرة سواء بالإعدام أو المؤبد أو الاعتقال لمدد غير محددة ضمن ظروف غير آدمية وبدون تهمة من الأساس، وقد يكون عبر عدم تجديد جوازات السفر للمعارضين في الخارج في ما يشبه فرض الإقامة الجبرية والمحددة في الدول المتواجدين بها، وقد يكون بمصادرة الأموال والممتلكات وقوائم ترقب الوصول وتهم الإرهاب والتآمر التي يتم توزيعها بغزارة يمينًا ويسارًا ويوصم بها كل من ينتقد النظام ولو بشطر كلمة وأحيانًا لمن فضل الصمت في ما يخص الشأن السياسي ولم يستخدم شعبيته لخدمة النظام الانقلابي واكتفى بالموقف الإنساني والرياضي دون السياسي وانحاز للشعب وقضاياه كما يحدث مع نجم الكرة الإنسان محمد أبوتريكة على سبيل المثال، وهو نفسه من ساهم في دعم ملف مصر لاستضافة البطولة الإفريقية التي اختتمت مؤخرًا، فالقاعدة الأساسية الحاكمة هنا «من ليس مع النظام فهو ضده».
هكذا هم وزراء ومسؤولو النظام الانقلابي الكارثي منذ يوليو 2013 وحتى يومنا هذا، الحظوة لا الكفاءة، التطبيل وتملق النظام والترويج له داخليًا وخارجيًا لا التخطيط والعمل من أجل البلد وشعبه هما المقياس والمعيار للاستمرارية والاختيار من الأصل، ولكن كما يقول المثل الشعبي الدارج: «ايش تعمل الماشطة في الوجه العكر» وهو كناية عن عجز أدوات المكياج عن تجميل الوجه القبيح. وفي الواقع، أفراد المنظومة الانقلابية يعبرون عن ماهية المرحلة ومتطلباتها وتصريحات وحركات ورد فعل نبيلة مكرم عبيد جاء كاشفًا وبدون رتوش عن الوجه الحقيقي للنظام والنخبة الحاكمة وفي نظرتهم للمخالفين والمعارضين وأنهم لا توجد لديهم غضاضة ولن يحتاجوا أو يستغرقوا لحظة واحدة للتفكير أو التردد في قطع رقبة من ينتقد الوطن أي النظام بشتى الطرق والوسائل. نبيلة مكرم عبيد تصريحها جاء في لحظة صدق عفوية ومعبرة عن استراتيجية ومرحلة لم يسبق لها مثيل في الانحدار والتقهقر والاستنزاف للدولة بكل مفاصلها ومكوناتها وطوائفها ومقدراتها وثرواتها وحدودها، تصريح لا يمكن بأي حال فصله عن نهج انقلابي سلطوي تعود قائده عبدالفتاح السيسي على إرسال التهديدات والتقدمة للقرارات الكارثية المتنوعة الأهداف والأضرار، وتستهدف جيب المواطن وأسس الوطن في قالب ساخر على طريقة «هتدفع يعني هتدفع» و«مش قادر أديك» و«هتاكلوا مصر يعني» و«زود وميهمكش» و«لو ينفع أتباع لاتباع». نبيلة مكرم عبيد هي النموذج الملائم للمرحلة والوفي للنظام والطبقة التي يمثلها، مرحلة يمثل الإرهاب والبلطجة والعنف والاستئصال لكل ما هو معارض ومخالف أركان أساسية يعتمد عليها النظام للاستمرار، لهذا جاء تصريحها مناسبًا ومعبرًا ونفيها في حد ذاته يؤكد أنها لم تكن عفوية وزلة لسان، بل استراتيجية ومنهجية نظام.
بقلم: جمال الهواري

جمال الهواري