كتاب وأراء

ضيوف الرحمن وقضايا الخلاف السياسي

عزيزي القارئ، يُطِلُ علينا هذه الأيام موسِم الحَجّ، والقُلوب المتعلقة بمكة، والتي كانت تعتزم شدّ الرحال إليها مؤدّيةً الرُكن الخامِس من أركان الإسلام؛ قلقَة وجزِعة لا تعلم مصيرها حتى الآن، فأداءُ فرضِ الحجّ بحاجة إلى متطلباتِ أساسيَّة، وهي توفير الطمأنينَة والأمن والسلامة بما يضمَنُ حماية أرواح وأموال الحُجاج وتهيئَة كافَة الظروف لتوفير بيئة آمنة على الوجه الأكمل لتُشعرهُم بالسلامة في أدائهم لمناسك الحج، مع توفير الرعاية الطبيَّة اللازمة لهم وتيسير اتصالاتهم وتنقلاتهم وكافة أوجه تواصلهم مع الآخرين، والأهم من كُل ذلك أن يُنَزّه ضيوفُ الرحمن عن قضايا الخلاف السياسي، لأن الحرمين لعموم المسلمين ولا يجب أن يكونا حِكرًا لفئات معينة ولا يجِب أن يُمنع من دخولِهِما أحدٌ من أمَّة الإسلام.
إنَّ الحصار الجائر على قطر جعل بعض الموازين تنقلب رأسًا على عقب، وأكد أنَّ دول الحصار لا تعرف طريقة التعامل مع «كيف وأخواتها»، أي كيفية التعامل مع أي خلاف سياسي، فهي تتعامل مع ذلك بأن تتورط في مشاكل أكبر لنفسها، فسُرعان ما تحوّل هذا الحصار الظالم إلى استقطابٍ وتصادمٍ وتحريضٍ على الكراهية وحرمانٍ من الحجّ، رُغمَ أنَّ ادعاءات المملكة العربية السعودية وبعدَ ضغطٍ دوليٍ كبير تُفيد أنَّ الحُجاج القطريين «سُمٍحَ» لهم بأداء مناسك الحج هذا العام، ولكن في البداية دعونا نُحلل كلمة «السماح»، والتي تأتي بعكس كلمة «المنع»، وهُنا نحنُ أمام فنتازيا كبيرة جدًا، إذ سُمِحَ لنا أخيرًا بأداء فريضة الله الحجّ؛ في سيناريو أعدتهُ المملكة للخروج من ورطتها الدوليّة الكُبرى في تسييسها للحج، أضف إلى ذلك أنَّ الحُجاج القطريين ما زالوا يشعرون بعدم أمان من دخولهم للأراضي السعودية لأداء الفريضة، فالحصار الجائر ما زالَ قائمًا والتحريض على الكراهية والإرهاب والعُنف ضد القطريين ما زال قائمًا كذلك، وهذا جلي من موقف الرأي العام السعودي الواضح من خلال منابر الكبار والصغار في وسائل الإعلام السعودية الكلاسيكيَّة والجديدة، كما أنَّ الضمانات التي قدمتها المملكة العربيَّة السعودية حيال توفير الأمن والأمان وإكرام ضيوف الرحمن القطريين مازالت مقلقة جدًا.
يقُولُ الله تعالى في سورة الحجّ: «وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ»، فالحجّ يعتبر أكبر تجمُع بشري يشهدهُ العالم، ويستحق أن توليه المملكة العربية السعودية العناية القصوى والاهتمام الأمثل، فهو يعكس المضمون الحقيقي لرسالة الإسلام؛ فهو دين الرحمة والتسامح والأخوة والعدل والحقّ، وعلى المملكة ورجالاتها يقعُ الكثير والكثير في هذا المضمار، فرغبات ضيوف الرحمن حول العالم في إتمام هذه الفريضة «برقبة» صُناع القرار في المملكة، وعليهم إلزامًا أن يقوموا بدور الترحيب والتكريم والمحافظة على حُرمة وقدسية هذه المناسبة الإسلاميّة الكبرى من خلال توفير الأمن والأمان وبثِّهِ بالقول والعمل في النفوس والضمائر والعمل على قضاء كافة حاجات الحُجاج من كل مكان ومن مختلف المذاهب والأجناس والأطياف؛ بأقصى درجات الراحة واليُسر واستنفار قوات أمنها واتصالها للسهر على خدمة وراحة الحجيج، علّ هذا الموسم المبارك أن يكون فاتحة خير علينا جميعًا، وأُذَكِّرُ نفسِي وإياكم بقولِ الله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَأوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَأوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ».
بقلم: خولة مرتضوي

خولة مرتضوي