كتاب وأراء

داعـش وعاشقـو الأسـد

منذ أن ظهر تنظيم داعش في سوريا والأقاويل حول ارتباطه بنظام الأسد، بشكل خاص وبالمخابرات الدولية عموما، تتأكد يوما بعد يوم، فما فعله التنظيم في المناطق التي سيطر عليها لم يكن سوى استكمال لما بدأه نظام الأسد من تدمير وقتل وتهجير، عدا عن أن وجود تنظيم كهذا، وتبني الدفاع عنه من قبل بعض المثقفين السوريين بذريعة محاربته لنظام الأسد، ساهم إلى حد كبير في تجاهل الرأي العالمي للقضية السورية، بل ومحاولة تبييض صفحة الأسد بوصفه يحارب إرهابا دوليا خطيرا.
وهي النقطة التي خطط لها النظام السوري وحلفاؤه منذ بداية انطلاقة الثورة، وهو أيضا ما ساهمت في تكريسه قوى كثيرة كان يفترض أنها في خندق الثورة. لكن اتضح، باكرا، أن لها أجنداتها الخاصة بها، العابرة للوطن وللشعب وللثورة وأهدافها، ولعل إعادة قراءة الحدث السوري منذ بدء ظاهرة التسليح وتناسل الكتائب الجهادية، وإعلان ولائها لاحقا لداعش وجبهة النصرة، وتخبط التيار السياسي الديموقراطي المدني المعارض في العلاقة مع هذه الظاهرة، وتقديم الغطاء السياسي لها لتصبح جزءا أساسيا من الثورة السورية، سوف يكشف كيف ساهمت الكتل السياسية المعارضة جميعها في الفتك بالثورة السورية والقضاء عليها، بما لا يقل عما فعله النظام، وربما ما بدأ الناشطون السوريون المدنيون، الذين لم يتركوا المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، في كشفه، وفضح الارتكابات المهولة والمفزعة التي كان يقوم بها عناصر هذه التنظيمات والكتائب يشي بالكثير الكثير، ويوسع جدا في دائرة المحاكمات فيما لو حدث وتحققت العدالة في سوريا ذات يوم.
ولعل الخبر الأحدث في هذا الشأن، هو ما كشف عنه قبل أيام موقع «حوران الحرة» وهو أحد مواقع الثورة السورية الإخبارية الموثوقة، عن إطلاق فرع المخابرات الجوية (من أكثر فروع الأمن السورية بطشا وخطورة) سراح ثمانين عنصرا من عناصر جيش خالد بن الوليد الذي بايع تنظيم داعش سابقا وانخرط في صفوفه، «ومن بين المفرج عنهم قادة سابقون في التنظيم سبق أن احتجزتهم قوات الأسد مطلع شهر أغسطس عام 2018 خلال العملية العسكرية ضد التنظيم الذي كان يتمركز وقتها في منطقة حوض اليرموك على مثلث الحدود الأردنية مع هضبة الجولان». ويذكر الموقع أن أغلب المفرج عنهم ينتمون إلى منطقة حوض اليرموك التي كانت المعقل الأساسي لتنظيم داعش في الجنوب السوري، عارضا أسماءهم وصفاتهم التنظيمية واحدا واحدا.
لم يفاجئ الخبر السوريين الذين يقفون ضد الأسد وضد هذه التنظيمات، فهؤلاء استطاعوا منذ زمن معرفة الصلة الوثيقة بين الاثنين، لكنهم توقعوا أن يكون هذا الافراج هو إحدى الطرق التي يتبعها النظام السوري في القضاء على معارضية المدنيين أو ما تبقى من عناصر الجيش الحر الذين رفضوا الانضمام إلى أي تنظيم جهادي في منطقة الجنوب، التي يبدو أن شأنها مختلف عن باقي مناطق سوريا بسبب مجاورتها لإسرائيل، مما يجعل مسألة إطلاق الصواريخ أو القنابل من الطائرات ليست بسهولة الوضع في باقي المناطق، فالحسابات السياسية هنا أقوى، وإسرائيل لن تتسامح مع أي خطأ عسكري يستهدف أراضيها، عدا عن تنسيقها الكامل مع القوات العسكرية الروسية، هكذا يصبح إطلاق سراح عناصر تنظيم داعش هو الحل السهل والأمثل والأقل كلفة للقضاء على ما تبقى من جيوب الثورة في الجنوب الذي قد يشهد لاحقا المزيد من عمليات الاغتيال أو بعض التفجيرات التي ستوضع طبعا بخانة الإرهاب مما سيعطي النظام السوري وحلفائه المبرر للقيام بارتكاب مجازر جديدة في الجنوب بذريعة تجفيف منابع الإرهاب في سوريا.
على أن ما يثير الدهشة هو تجاهل السوريين الموالين للأسد والمثقفين العرب، الذين اعتبروا كل من وقف مع الثورة إرهابيا، لهذا الخبر ذي الدلالة البالغة، في الوقت الذي تمتلئ فيه سجون ومعتقلات النظام بمعتقلين مدنيين ومثقفين سلميين، وأصحاب رأي، وفي الوقت الذي تغيب فيه تماما أخبار يساريين معتقلين كعبد العزيز الخير ورجاء الناصر وفائئق المير زكي كورديلو وعدنان الزراعي وجهاد محمد ونبيه نبهان، وآلاف المدنيين السلميين المغيبين والمستهدفين حاليا بالتغييب لمجرد الرأي المخالف لرأي النظام وسياق سرديته عن الثورة السورية. ألا يحق لنا أن نسألهم عن صمتهم على هكذا خبر وعن عدم وجود من يقول منهم في وجه النظام: «لكن الإمبراطور عار»، أم أن الولاء قد أصابهم جميعا بالعمى!
بقلم: رشا عمران

رشا عمران