كتاب وأراء

العلمانيون العرب والخلافة الأوروبية! (1)

يتزايد الحديث والجدل من وقت لآخر عن «العلمانية» في العالم العربي وأنها من وجهة مناصريها الأسلوب الأمثل للحكم، وتضمن وضع حد للصراعات والنزاعات الطائفية والمذهبية والعرقية وخلق مساحة للعيش المشترك بين جميع المواطنين على اختلاف معتقداتهم الدينية والسياسية والفكرية والمساواة بينهم في الحقوق والواجبات، وما إلى ذلك من الجمل الرنانة والمصطلحات والعبارات البراقة التي تُطرب من يسمعها ويعتقد أنه قد آن الأوان للعيش في سلام ومودة بين الجميع وأن العلمانية هي الحل الوحيد لكل مشاكل المنطقة «وهو اعتقاد غير صحيح».
العلمانية تختلف تعريفاتها وقواعدها من دولة لأخرى ومن زمن لآخر، ويذهب بعض الباحثين إلى أن الفيلسوف الأندلسي «ابن رشد» هو أول من أشار بفصل الدين عن الدولة وترجيح حرية العقل على محدودات الشريعة، وحسب دائرة المعارف البريطانية فإن العلمانية هي حركة اجتماعية تتجه نحو الاهتمام بالشؤون الأرضية «الدنيوية» بدلاً من الاهتمام بالشؤون الأخروية «حياة ما بعد الموت»، وهي تعتبر جزءًا من النزعة الإنسانية التي سادت منذ عصر النهضة الداعية لإعلاء شأن الإنسان والأمور المرتبطة به بدلاً من إفراط الاهتمام بالعزوف عن شؤون الحياة والتأمل في الله واليوم الآخر، وهو تعريف قريب الشبه لما طرحه الفيلسوف الإنجليزي «جون لوك» ونظرية العقد الاجتماعي التي صاغها «جان جاك روسو» الذي يعتبر منظر الثورة الفرنسية وفيلسوفها. ولكن لو توجهنا بسؤال بسيط إلى الجمهور العربي من المحيط إلى الخليج حول ما يتبادر إلى ذهنه، وما هي «العلمانية» من وجهة نظره لأجابت الغالبية العظمى وبدون تردد بأن العلمانية هي فصل الدين عن الدولة، وهي إجابة صحيحة نظريًا لكن كلمة فصل هنا يعني بها المواطن العربي «إنهاء واستئصال» الدين بعيدًا عن الدولة، ولعل السبب الأكبر والعامل الأهم في ترسيخ هذا المفهوم لدى القاعدة العريضة هو تصرفات وطريقة خطاب «العلمانيين العرب» أنفسهم، حيث حصروا أنفسهم في مهاجمة ثوابت الدين الإسلامي بطريقة غير مباشرة عبر الدخول في عداء واضح وصريح ومباشر مع الرموز الدينية وتيارات الإسلام السياسي وتغليف كل هذا بغلاف هلامي كاذب من ادعاءات بالصراع ومواجهة الأنظمة الديكتاتورية والقمعية في المنطقة «وهم حلفاء وثيقو الصلة بها على أرض الواقع» ولنا في مساندة غالبيتهم للانقلاب العسكري في مصر على سبيل المثال لا الحصر خير دليل وبرهان.
العلمانيون العرب يعيشون بالفعل حالة قريبة من الفصام والازدواجية حيث قادتهم الفتنة بالنموذج العلماني في الغرب لمحاولة نقله للمنطقة العربية والإسلامية كما هو، وتناسوا أو نسوا نقطة في غاية الأهمية وهي أن القاعدة الأساسية للعلمانية هي إبعاد السلطة الدينية متمثلةً في الكنيسة عن أمور الحكم وهو الأمر السائد في الغرب وعدم تدخل الدولة في معتقدات الأفراد الدينية مع بعض الاستثناءات عندما يتعلق الأمر بالدين الإسلامي ربما يكون هذا بسبب انتشار ظاهرة «الإسلاموفوبيا» والتي من صدرها وروج لها ورسخها الغرب نفسه وسار على دربهم الكثيرون من العلمانيين العرب، لكن في غالبية الدول العربية والإسلامية النخب العسكرية هي المسيطرة على زمام الأمور وتولي الحكم أو تكون الضامن لاستمرار نظام الحكم القمعي هنا والمتسلط هناك ويقوم معظم رجال الدين بدور «السَنِّيد» للنظام واستعمال سلطتهم الروحية للتأثير على الجماهير للخضوع للنظام والتسبيح بحمد الحاكم «إلا من رحم ربي»، ولكن تجد العلمانيين العرب يهاجمون ثوابت الدين الإسلامي عبر تركيز الصراع مع «السَنِّيد» ويتحاشون مواجهة النظام الديكتاتوري نفسه.
بدلاً من خوض العلمانيين للمعركة الواجبة والملحة وهي مقاومة الأنظمة السلطوية والديكتاتورية، والسعي للوصول بالمجتمعات لما تحلم به وتستحقه من حرية وعدل ومساواة، تجدهم قد وجهوا جل جهودهم وقوتهم لمساندة تلك الأنظمة في قمع الشعوب ودأبهم المستمر على ربط تخلف الأمة وتراجعها بتمسكها بالدين الإسلامي والأعراف والتقاليد المرتبطة به ونكايةً في تيارات الإسلام السياسي خصمها اللدود وكأن أنظمة الحكم في الدول العربية والإسلامية قائمة على الشريعة الإسلامية منذ سقوط الخلافة العثمانية ثم الاستقلال ورحيل المستعمر الأجنبي عن المنطقة وأن تيارات الإسلام السياسي هي الحاكمة والمتحكمة في مجريات الأمور.
بقلم: جمال الهواري

جمال الهواري