كتاب وأراء

البديهيات والأولويات إنتاج خلاف جديد لن يجدي نفعا

مع ارتباط الحياة اليومية وتفاصيلها بوسائل التواصل الاجتماعية شكلت هذه الوسائل بدائل مناسبة ومهمة للجلسات الجماعية الحوارية، أو للمنتديات الفكرية التي كانت تعقد سرا وعلنا في عالمنا العربي، الفارق فقط أنه على وسائل التواصل يكون المشاركون مجهولين لبعضهم البعض، ويصبح تسليط الضوء على الأفكار التي يكتبها كل منهم، لا على الأشخاص الذين قد لا يعرف أحد حتى أسماءهم الحقيقية أو أشكالهم البشرية.
وهو أيضا ما يتيح مجالا لاتساع الخلاف حول أية فكرة وتشعبه نحو مناطق بعيدة عنه أصلا، كما يتيح التطاول بالكلام على الآخرين، بدأ الفاعلون على هذه الوسائل طرح أفكار للنقاش، لم يكن من الوارد طرحها قبل ظهور وسائل التواصل، ربما لأنها كانت تعتبر من البديهيات الاجتماعية، ولم يكن أحد يتجرأ على طرحها، أو ربما كانت تطرح في الجلسات المغلقة دون أن يتاح لها فرصة الانتشار لتصبح عمو مية الشأن بوصفها ظاهرة إجتماعية أو سياسية أو دينية أو اقتصادية.
من هذه البديهيات الذي بدا النقاش حولها يمتد على وسائل التواصل مؤخرا، بديهية الأضاحي في الأعياد الدينية، ولا سيما العيد الإسلامي الكبير، أو عيد الأضحى، كما هو معروف للجميع، ورغم أن اسم العيد مشتق من الأضحية، وممتد منذ قديم الزمن، يعود إلى قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام حين أمره الله تعالى بذبح ولده الوحيد اسماعيل فامتثل لأمر الله، فبدل الله تعالى اسماعيل عليه السلام بكبش كان هو الأضحية، وهكذا استمر هذا الطقس الديني على مدى التاريخ، وطرأت عليه تبدلات وتغيرات واختلافات مع مرور الزمن، لكنه بقي مستمرا بفكرة تقديم الأضحية عبر الذبح الحلال وتوزيعها على الفقراء والمعوزين والمحتاجين، وتحولت مع الزمن أيضا إلى عيد يحتفل به المسلمون في كل عام بعد الانتهاء من موسم الحج؛ ورغم أن اسم العيد، كما أسلفنا، متعلق بالأضحية، فإن ثمة نقاشات تدور طويلا على وسائل التواصل حول ما يحدث عشية وصباح عيد الأضحى في بعض البلاد العربية، من طريقة ذبح الأضاحي على مرأى الجميع بمن فيهم الأطفال، وسيلان الدم في الشوارع، وهو ما يجعل من فكرة الذبح فكرة عادية لدى الأجيال التي تنشأ وهي تشارك في هذا الطقس السنوي ويجعل من العنف سلوكا عاديا لديها. والفكرة لدى المعترضين هي في أن تنظم الحكومات والدول العربية، طريقة ذبح الأضاحي ليلة العيد، أو أن تصدر المؤسسات الدينية فتاوى يتم فيها توجيه المسلمين إلى طرق أخرى أكثر رأفة ورحمة وأقل عنف لتقديم الأضاحي، وهو كلام سليم لا غبار عليه، لولا أن النقاش حوله على وسائل التواصل يدخل، كثيرا من الأحيان، في متاهات التكفير والاتهامات المتبادلة، وما يجره ذلك من خلافات جديدة وعميقة بين أبناء الشعوب العربية أو بين أبناء الشعب الواحد.
على أن نقاشا كهذا، على أهميته، يصبح لا معنى له، حين يكون كثر من المتناقشين قد وضعوا على أعينهم وآذانهم، عصابات كي لا يروا ما يحدث في عالمنا العربي من عنف وانتهاكات وقتل بحق البشر أبناء جلدتهم، وإخوتهم في الوطن نفسه، حين لا يكترثون للعدد المهول من الضحايا البشرية التي تقدم فدية للحكام كي يبقوا في أماكنهم، حين لا يعنيهم كيف أصبح أسفلت شوارع مدنهم أحمر نتيجة ما أريق من الدم البشري عليه، حين لا يكترثون بما حدث للأطفال الذين تفتح وعيهم على الحرب والقصف والدمار والتهجير والتشرد، ومع أي وعي سوف ينشأ هؤلاء الأطفال الذيم لم يعرفوا في طفولتهم سوى العنف البشري ضدهم، وحين لا يهتمون بمشهد الفقر في العواصم العربية حيث هناك طبقات كاملة من البشر لا تطعم أولادها مادة اللحمة إلا في عيد الأضحى حين يتصدق أحدهم بأضحية للفقراء!
من نافل القول أن النقاش حول أي شيء أو أية ظاهرة هو صحي وضروري مهما بلغ الخلاف حوله مبغاه، غير أن النقاش حول ظاهرة مفردة دون الأخذ بكل ما يحيط بها وحولها من كوارث اجتماعية وسياسية واقتصادية، ويعزز وجودها بقوة، هو ليس أكثر من إنتاج خلاف جديد لن يجدي نفعا في حالتنا العربية التي وصلت إلى أماكن من البؤس والقهر والذل لم يسبق لها مثيلا.
أضحى مبارك للجميع، وعسى الله تعالى أن يعيده وأمتنا العربية أقل قهرا وحزنا.
بقلم: رشا عمران

رشا عمران