كتاب وأراء

رابعة والنهضة.. جروح لا تسقط بالتقادم ! «1»

في تاريخ كل أمة ودولة هناك أيام فاصلة وأخرى حاسمة، وأحداث قد تكون ملحمية أحيانًا ودموية في أحيان أخرى، تلك الأيام والأحداث تأتي بمثابة الخطوط والحدود التي تميز عهداً عن غيره وحاكماً عن سابقه وحقبة عن ما قبلها، تلك الأحداث تشكل وتؤثر في الإطار السياسي والاجتماعي والاقتصادي للدولة بكافة مؤسساتها والشعب بجميع طوائفه، يتشعب هذا التأثير ويتسع مداه تبعًا للأحداث إيجابية كانت أم سلبية وتتشكل ذاكرة الشعوب ووعيها متأثرة بها، منها ما يكون انتصارات أو انكسارات وصراعات أو صدمات، وفي ظل الأنظمة العسكرية كما هو الحال في مصر نادرًا ما تتلاقي المناسبات والأحداث التي تحتفي بها الطبقة الحاكمة مع تلك التي تهم فعليًا غالبية طوائف الشعب المصري، فما يحتفي به ويضخمه العسكر هو الجدير في الأغلب بالنسيان وما يحاولون شيطنته وتزييف أحداثه وأسبابه ودوافعه ونتائجه هو الجدير بالتذكير والدراسة والتوثيق الحقيقي على الدوام.
تمر علينا هذه الأيام الذكرى السنوية السادسة لأبشع مجزرة في تاريخ مصر الحديث، مجزرة فض اعتصامي «رابعة» و«النهضة» في 14 أغسطس 2013م، ليصبح فعلياً هذا اليوم الذي وصفته صحيفة «الإندبندنت» البريطانية بأنه «يوم العار في مصر»، الحد الفاصل بين «مِصْرين»، فمصر بعد هذا التاريخ ليست مصر التي كانت من قبله، وبعد مرور 6 سنوات لا يزال مسلسل الدم الممزوج بالقهر والظلم والقتل والانتهاكات مستمراً وبصور مختلفة ومتعددة، تمر الذكرى هذه المرة بعد أسابيع قليلة من استشهاد الرئيس محمد مرسي ليلحق بربه ثابتًا على موقفه ومبدأه غير مدبر أو خاضع ليلحق بركب شهداء رابعة والنهضة وأخواتها.
مخطئ من يحاول الفصل أو لا يدرك قوة الرابط وحتميته بين المشاهد المروعة والمرعبة في مجزرة فض اعتصامي «رابعة» و«النهضة» وبين مشهد 3 يوليو 2013 لحظة قيام قائد الانقلاب العسكري «عبدالفتاح السيسي» بإلقاء بيان الانقلاب محاطًا بشخصيات سياسية وعسكرية ودينية تم انتقاؤها بعناية والحرص التام على ظهورهم بجواره والمشاركة في البيان في رسالة موجهة للخارج أكثر منها للداخل لإظهار الأمر وكأن بيان الانقلاب هو نتاج مطالب شعبية في ثورة 30 يونيو المزعومة، وليس غطاءً لهدم وتدمير أول تجربة ديمقراطية حقيقية في مصر جاءت معبرة عن إرادة الشعب المصري عقب ثورة 25 يناير 2011 وإيذانًا بعودة العسكر ثانيةً لتصدر المشهد السياسي بعد تخليهم عنه مؤقتًا بضغط شعبي أجبرهم على الانحناء قليلاً لتمر العاصفة، وضحوا برأس الدولة العميقة المخلوع «حسني مبارك» حفاظاً على بقية الجسد سليماً ليعود للحياة مجدداً للتمتع بامتيازات امبراطورية العسكر التي تم بناؤها على مدى أكثر من ستة عقود منذ الإطاحة بالملك «فاروق» ثم الرئيس «محمد نجيب».
مذبحة «رابعة» و«النهضة» كانت حتمية ولو لم يعتصم أنصار الرئيس «محمد مرسي» لبحث عنهم العسكر وجمعوهم بأنفسهم وبشتى الطرق والوسائل وقاموا بذبحهم وحرقهم لتنفيذ الصدمة الدموية والمدوية المطلوبة لإخماد النفوس الثائرة المتعطشة للحرية، ولإدخال طوائف الشعب المصري المختلفة في صراع مجتمعي يشغلهم ببعضهم البعض، مما يمنح الفرصة للنظام العسكري للاستفراد بالفصائل والحركات السياسية الأخرى وفي مقدمتها تلك التي ساندت الانقلاب نفسه والتخلص منها واحدة تلو الأخرى، ليتفرغ «عبد الفتاح السيسي» ونظامه لتنفيذ المهمة الموكلة إليه من قبل موكليه وداعميه الإقليميين والدوليين من تفتيت وهدم لمصر والإجهاض الكامل لثورات الربيع العربي، بعد نجاحه في تنفيذ انقلابه، وتوجيه ضربة موجعة وقاسية لجماعة «الإخوان المسلمين»، كونها العثرة والعقبة الواقفة في وجه العسكر للسيطرة الكاملة على الدولة المصرية لما تتمتع به من تعاطف وتأييد شعبي أجبر النظام العسكري على التفاهم معها ومنحها هامشا من الربح السياسي في أحيان كثيرة، وتمكنها من الفوز بكل الاستحقاقات الانتخابية بعد الثورة ووصول الرئيس «محمد مرسي» أحد أفرادها لحكم مصر في نهاية الأمر، وهو ما كان بمثابة الإنذار بالخطر لو استتب الأمر ودارت عجلة الديمقراطية وتداول السلطة، وفي نفس الوقت المؤشر بأنه قد حان الوقت المناسب للقضاء على الجماعة بشقيها السياسي والدعوي بصفة نهائية، أو إنهاكها وإجبارها على الانكفاء على نفسها لفترة طويلة في أقل التقديرات لتقوم بتضميد جراحها واستعادة تماسكها ولمّ شتاتها.
مصر قبل المجزرة كانت ساحة خلاف سياسي وشد وجذب بين سلطة شرعية منتخبة وأحزاب وفصائل سياسية معارضة في مناخ ديمقراطي وسقف إعلامي مفتوح بدون خطوط حمراء لم يسبق له مثيل بشهادة المعارضين أنفسهم، لتتحول بعد المجزرة إلى ساحة اقتتال واستئصال سياسي وانشقاق مجتمعي مصبوغ بصبغة الدماء المحرمة التي أريقت وما تزال في نهر من الكراهية والاستقطاب، والذي يحرص السيسي ونظامه على جريانه ليبني على ضفافه أركان مشروعه الرامي لإفراغ مصر من كل مضمون لمصطلح الدولة.
{ (يتبع)
بقلم: جمال الهواري

جمال الهواري