كتاب وأراء

كــثــيــراً مــا نــقــرأ

{ نسمع أحياناً في وصف رجل ما «لا ولد ولا تلد» ويقال هذا الكلام غالباً في وصف أحد الفقراء المساكين، وربما أكثر حين يموت. أما القول «لا ولد» فيبدو مفهوماً، أي إنه لم يعقب وليس له أولاد، والأولاد عزة للعربي، يساعدونه ويشد بهم ظهره، ولعل هذا يذكرنا بما قاله عدو الله عمرو بن هشام (أبو جهل) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «دعوه فإنه أبتر» فنزل قوله تعالى في سورة الكوثر «إن شانئك هو الأبتر» فماذا عن «تلد»؟
التـَّلـْد والتـِّلاد والتليد والتالد والمتلـَد: المال القديم الأصلي عندك، ولم يكونوا يتعاملون بالنقود، لذلك يضيفون في الشرح: ما وُلد عندك، أي الإبل والأنعام التي ولدت عندك، أو ورثته عن آبائك، وتلِد المال صار تليداً، ونقيض القديم بأي صيغة من «تلد» جاء هو الطريف، واستطرف الشيء أي عدّه طريفاً أو استحدثه، قال طرَفة بن العبد البكري في معلقته:
وما زال تشرابي الخمورَ ولذَّتي وبَيعي وإنفاقي طَريفي ومُتلـَدي
أي إنفاق ما ورثته من مال وما كسبته. وكانوا يهتمون بالجواري، لذلك ميزوا بين الجارية «التليدة» وهي التي ورثها الرجل عن أبيه و«المولدة» وهي التي ولدت في بيته. وهكذا فإن القول «لا ولد ولا تلد» يعني أنه لا نسل له وليس عنده مال، والفرق الوحيد أنهم حركوا اللام بالفتح في «تلد» وهي في الأصل بالسكون.
{ لنقرأ هذه الجمل والعبارات: خرج وصفَق الباب خلفه، وصفـَّق له الحاضرون طويلاً، وتمت الصفقة بين الجانبين، وكان ذا وجه صفيق، قال له: ما هذه الصفاقة؟ ما علاقة التصفيق بالصفقة بالصفاقة؟
الصفْق والتصفيق: الضرب الذي يُسمع له صوت، وصفـَقه يصفقِه إذا ضربه، وصفـَق يده بالبيعة، ضرب بيده على يد الآخر إتماماً للبيع، ومنه الصفقة، ومن هنا «صفق الباب خلفه» أغلقه بعنف وصوت، والتصفيق باليد: التصويت بها، وفي الحديث (إذا أخطأ الإمام أو سها): التسبيح للرجال والتصفيق للنساء، والصفاقة في النسيج الكثافة، وثوب صفيق إذا أصفقه الحائك أي كثـَّف نسجه، والصفيق الجلد السميك
{ دعونا كثيراً إلى تبسيط اللغة، ودعونا أكثر إلى البعد عن التقعر، وقلنا كثيراً ما قاله العلماء قديماً: (التقعر بين العامة، كاللحن «الخطأ النحوي» بين الخاصة) ويجب أن تتطور اللغة، وقد قدمت تجربتين في نقل كتب التراث إلى لغة القرن الحادي والعشرين وهما: بخلاء الجاحظ ورسالة الغفران للمعري، وتمنيت أن تتبنى جهة ما هذا المشروع لنقل كتب التراث إلى لغة العصر، بما يسهّل على الأجيال الجديدة قراءتها، وضربت مثالاً في مقدمة البخلاء أوصاف المرأة الجميلة عند العرب قديما، وقلت: لو أنني قلت هذه الأوصاف لامرأة الآن لشتمتني وربما صفعتني، وإليكم هذه الأوصاف:
(رِبَحْلة سِبَحْلى): المرأة الضخمة – (عَيطـَبول): طويلة العنق – (بَهكنة): غضة جميلة الوجه – (خَرعبة وخُرعوبة): ناعمة حسنة القد – (بَرمادة): سمينة ترتج – (بَرَهْرهة): دقيقة العظام – (شَموع): لعوب طروب – (رشوف): طيبة الفم – (الممكورة): مربربة الساقين– (الرَود والرؤود): اللينة الممشوقة – (الدَهثمة): سهلة الخلق – (البلهاء): الخجول الكريمة – (العيطموس): التامة الخلق.
{ اعتاد معظم الناس – إلا من رحم ربي – بدء كثير من الكلمات بالضم، فتسمع مثلاً «آلام الحُنجرة» ويقولون لك: هذا طبيب الأنف والأذن والحُنجرة، وتسمع أو تقرأ «ودخل المدينة عُنوة» وتسمع أو تقرأ «وكانت تغار من ضُرَّتها» أو: وكانت ضُرَّة للزوجة الأولى، وهم يعنون دائماً الزوجة الثانية أو الثالثة، وهذا خطأ أول، لأن كل واحدة ضرة الأخرى، كيفما كانت الحركة فوق الضاد، الثانية ضرة الأولى والعكس صحيح، ويقرؤون أيضاً «الضُرّ» وهو ضد النفع، والصحيح «الضَرّ» ويجوز ضم الضاد، وتسمع أو تقرأ «عُبْوة» وقد يعمد بعضهم إلى تشديدها «عُبُوَّة» وتشترك هذه التسميات في خطأ واحد أنها بالفتح وليست بالضم.
أما الحَنجرة فأداة الصوت عند الإنسان والحيوان، وأصلها الحُنجور وهو الحلق، ولم ترد الحنجرة مفردة في القرآن الكريم، ولكن ورد جمعها «الحناجر» مرتين، كما في قوله تعالى في سورة الأحزاب «وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر». دخل المدينة عَنوة، أي دخلها قهراً، وقال تعالى «وعَنَت الوجوه للحيّ القيوم» ونقول: عنوت للحق أي خضعت، وكل خاضع لحقٍّ أو غيره عانٍ (أصلها عاني) والاسم من كل ذلك عَنوة. أما عبوة فأصلها من عبَأ المتاع وعبَّأه تعبئة إذا هيّأه وجهّزه، ألسنا نقول في الأخبار: وأعلن التعبئة العامة؟ ومن هذا الجذر أيضاً العباءة، والطريف في الأمر أن العامة يقولونها «عباية» ونكتشف أنها فصيحة.
{ ويبدو أن الابتداء بالفتحة غير مستحب عند القراء والكتاب، فالجميع يقولون «السِعة» وتأتي هذه الكلمة بمعنيين، الأول: ما يتسع له الشيء أوالمكان، كأن تقول: سعة هذا الإناء عشرون لتراً، أو: سعة هذه الغرفة ثلاثون شخصاً، والثاني: بمعنى الطاقة، ولا يسعني أي لا أطيق، وقلنا إن الجميع متفقون على أنها بكسر السين، بينما هي السَعة بفتح السين، قال تعالى في سورة البقرة «أنّى يكون له المُلك علينا ونحن أحقّ بالمُلك منه ولم يُؤتَ سَعَة من المال» والكلمة من الجذر «وسع» وقد ورد واشتقاقاته كثيراً في كتاب الله الكريم. والكلمة الثانية التي نضربها مثلاً كلمة «الفعال» وهي جمع لكلمة «فعل» والفعل أعم من العمل، واستقر عند الجميع أنها «ألفِعال» وهذا خطأ، بل هي «ألفَعال» بفتح الفاء، والفعال اسم الفعل الحسن من جود وكرم ونحوه، وقد يكون بمعنى الفعل وحده، فنقول: فلان كريم ألفَعال، وفلان لئيم الفعال، وقال العلماء إن الفعال مفتوحة دائماً ما عدا ألفِعال وهي خشبة الفأس، ويقال للنجار فاعل، وهذه الكلمة مستخدمة لدى العامة بمعنى عامل، وقديماً خصوا بها عمال الطين والحفر ونحوه، والجمع فعلة (بثلاث فتحات).
{ نقرأ أحياناً كلمة «الأفـّاق» كصفة مرذولة سيئة، وتقال في ذم من نصفه بها، وقد تتساوى مع صفة «الأفـّاك» وكم من فرق بينهما. الأفـّاق من الأفق (بضم الفاء وسكونها) وهو ما ظهر من نواحي الفلك وأطراف الأرض، والجمع آفاق، وقيل هي مهاب الرياح الأربعة، قال تعالى «سنريهم آياتنا في الآفاق» ووصف لقمان بن عاد أخاه فال «إنه صفـّاق أفـّاق» أي يضرب في آفاق الأرض (نواحيها) مكتسباً. أما الأفـّاك فمن «الإفـْك» وهو الكذب، ويقال أفك (بفتح الفاء وكسرها) إفكاً أي كذب، وقد ورد فعل «أفك» وما يشتق منه ثلاثين مرة في كتاب الله الكريم، ومن مشتقاته أفِك بمعنى صُرف، قال تعالى في سورة الأحقاف على لسان قوم عاد «قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا» أي لتصرفنا. وأشهر إفك في التاريخ الإسلامي حديث إفك المنافقين حين اتهموا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بالزنا، فبرأها الله تعالى بقوله في سورة النور «إنَّ الذين جاؤوا بالإفْكِ عُصْبة منكمْ لا تَحْسَبوه شرّاً لكم بل هو خير لكم».

نزار عابدين