كتاب وأراء

الشراكة بين «اليمين التوراتي» و«اليمين العلماني» «2»

زيادة منسوب تهويد الأرض واستعمارها، استشرى بشكلٍ ملفت بعد وصول اليمين لأول مرة لمواقع السلطة في دولة الاحتلال، وتحديداً في انتخابات العام 1977، التي وصل فيها حزب الليكود (حيروت) لأول مرة إلى موقع القرار الأول بقيادة المتطرف مناحيم بيغن، التلميذ النجيب لمنظّر الاستيطان والتهويد وقتل العرب الصهيوني (زئيف جابتونسكي)، مؤسس التيار التنقيحي في الحركة الصهيونية، وجماعة الأرغون الإرهابية، والأب المؤسس لليكود واليمين الصهيوني بشكلٍ عام. ومنذ ذلك الحين بدأت أوضاع حزب العمل (الماباي) بالتهلهل والانكماش، وصولاً إلى واقعه الراهن، بعد أن أمسى حزباً ضعيف الحضور في المجتمع «الإسرائيلي».
لقد كان ومازال لزيادة منسوب تهويد الأرض المحتلة عام 1967، على يد حزب الليكود منذ العام 1977، عدة أهداف، منها منع احتمال قيام دولة فلسطينية، وثانيها مواجهة الاحتجاجات التي نظمها اليهود القادمون الجدد إلى فلسطين لتفكيك الضائقة الاقتصادية والاجتماعية، وفي مقدمتها أزمة السكن، التي أنتجتها السياسة النيوليبرالية. ولهذا السبب، أقيمت المستعمرات اليهودية الجديدة في البداية، بالقرب من الحدود الفاصلة بين شطري فلسطين 1948 و1967، بينما جرى رفض موقف اليمين الديني الذي طالب بتعميق السيطرة في قلب الضفة الغربية ووسطها في تلك الفترة.
وعليه، اندفع حزب الليكود (حيروت)، بقيادة مناحيم بيغن بشكلٍ فعَّال لدفع مشروع بناء المستعمرات، وأعطى الإشارة لتوسيعها الدراماتيكي، ودَفَعَ باليهود الفقراء القادمين لفلسطين، والذين يعتبرون قاعدة المصوتين لحزب الليكود للإقامة في تلك المستعمرات، وتقديم كل المزايا لهم، بما فيها الأسعار البسيطة للعقارات في المستعمرات الجديدة، وتقسيطها على مداياتٍ طويلة. حقيقة، إن اتساع المشروع الاستيطاني الاستعماري الكولونيالي التهويدي في فلسطين على يد حزب الليكود بشكلٍ رئيسي بعد العام 1977، نجم عن شراكة أيديولوجية بين اليمين الديني واليمين العلماني، وهو ما استولد حالة من التحالف الوطيد بين حركة «غوش إيمونيم» الاستيطانية الإرهابية المتطرفة مع حكومات الليكود المتتالية، خاصة بعد العام 1980.
عندما بدأت حكومة الليكود في حينه بتحويل المشروع الاستيطاني التهويدي، ولأول مرة في تاريخه، إلى مشروع بحجم واسع في مناطق مختلفة من القدس والضفة الغربية، وتكريس مبدأ الانتشار السكاني، وفي عمق الضفة الغربية، حسب «خطة دروبلس» التي وضعتها حركة «غوش إيمونيم». وأدى هذا القرار إلى تركيز جهود البناء وميزانيات الوزارة حول إقامة مستوطنات مدينية، مثل معاليه أدوميم، وأريئيل، وكرني شومرون، وغفعات زئيف... في الإطار المحيط بمدينة القدس المحتلة، حيث تتركز مجموعات كثيرة من اليهود المتزمتين (الحريديين) في مستعمرتين كبيرتين، هما «بيتار عيليت» الواقعة بين «غوش عتصيون» والقدس، ومستوطنة «موديعين عيليت» القريبة من مدينة «موديعين»، التي قسم منها مقام في أراضي الضفة الغربية. ويسكن في هاتين المستعمرتين حالياً أكثر من 120 ألفاً من اليهود المتزمتين (الحريديين). وإذا كان عدد سكان المستعمرات، باستثناء القدس الشرقية، حوالي عشرة آلاف مستوطن فقط، في بداية الثمانينيات، فإنه في السنوات 1981 ـــــ 1986 ارتفع عددهم إلى خمسين ألف مستوطن، واستمر هذا الاتجاه في السنوات اللاحقة، حتى وصلت أعداد المستوطنين الآن لنحو 600 ألف مستوطن في القدس الشرقية وعموم الضفة الغربية.
وخلاصة القول، إن ما أوردناه أعلاه، يعطينا الصورة الحقيقية عن العلاقة التي تربط الحزب الأكبر في «إسرائيل» ونقصد حزب الليكود، بالقوى اليمينية، واليمينية المتطرفة، ومدى الشراكة بين اليمين التوراتي واليمين العلماني، والتناغم والتناسق بينهما، على أبواب الانتخابات التشريعية التي بدأت تدق الأبواب.
بقلم: علي بدوان

علي بدوان