كتاب وأراء

كتابة عن «تحديات الانتقال» بالسودان «2 - 2»

هنالك اعتقالات تمت مؤخرا ويرى المراقبون أن أهم التحديات تتمثل في إرساء أعلى قدر من الشفافية والاحتكام إلى القانون واحترام الوثيقة الدستورية.
إذا أرسيت الشفافية فيجب إعطاء إجابات سريعة وصريحة عن أسباب الاعتقالات المتكررة التي حدثت على مدى الشهور والأسابيع الأخيرة لقادة في الجيش ولضباط برتب مختلفة.
إن السؤال الأساسي في هذا الملف يتمثل في أهمية التحلي بقيمة العدل. إذا تم التحلي بقيم العدالة التامة باتباع ما يأمر به الإسلام، فينبغي أن تكون هنالك معطيات محددة في التعامل مع هذا الملف.يجب مراجعة ما حدث من اعتقالات ولا ينبغي في عصر انتصار ثورة الشعب، وهو انتصار لا بد فيه من التوجه للحق عز وجل بالشكر لأجله... لا ينبغي أن تكون هنالك نقاط معتمة أو غامضة في هذا الملف.. إن هنالك شبهات بكيد أو توجيه تهم دون أدلة أو الدخول في مسار «تصفية حسابات».عموما، فإن هذا الملف بما يكتسيه من أهمية كبيرة سيظل مفتوحا وستسعى الجهات الحادبة على العدل وحقوق الإنسان داخل السودان وخارجه نحو توضيح مجمل الحقائق بشأنه.إن عهدا جديدا قد انتظم الساحة السودانية عبر تغيير شاركت فيه كل جموع الشعب بالداخل والخارج.. بناتاً وبنينَ.. نساءً ورجالاً وشيباً وشباباً.. وحضرا وبوادي.
هذا التغيير يجب أن تسود ساحاته كلها قيم الحق والعدل والإحسان.إن التمنيات لن تتوقف بأن يكتمل عقد نجاح ثورة الشعب التي علينا أن نصلي كثيرا ونسبح كثيرا ونحمد الحق عز وجل عليها كثيرا، راجين صونها من أية احتمالات لـ«الردة» أو التراجع عن ما يرضي الله سبحانه وتعالى وما يحقق إرادة الشعب.. حين يكتمل عقد النجاح والنصر العزيز والفتح المبين، فستسود الساحات روح الإحساس بتحقيق العدالة.
إن السودان تاريخيا عايش مراحل شبيهة بمرحلة اليوم. في أكتوبر عام 1964 حدث التغيير الشهير متمثلا في ثورة أكتوبر التي تغنى بها شعراء كثر وصدحت بمفاهيمها أناشيد فنانين كثر.. لعل أشهرها نشيدا أصبح الصبح فلا السجن ولا السجّان باق.. وباسمك الشعب انتصر.. حائط السجن انكسر وهما نشيدا الراحل المقيم الفيتوري والشاعر الفذ محمد المكي إبراهيم.
إن الكلمات لا تنتهي حين نستذكر أكتوبر.. المهم أن ثورة أكتوبر تميزت بحكومة أسند فيها الأمر إلى شخصية مستقلة ثم حدثت انتخابات نزيهة في العهد الديمقراطي ذاك، وتواصل مسار التحول السياسي إلى أن أجهض لاحقا بانقلاب نميري في مايو 1969.
أما تجربة انتقال السودان من عهد نميري إلى عهد الأحزاب وتجربتها في مارس – أبريل من عام 1985، فقد شهد تشكيل حكومة بعيدة عن الانتماء الحزبي لعام واحد وجرت انتخابات أتت بالسيد الصادق المهدي زعيم حزب الأمة القومي الجديد رئيسا للوزراء في 26 أبريل من عام 1986.
تواصل مسار التحول وقتها إلى أن أتى «انقلاب البشير» في يونيو 1989، وهو الانقلاب الذي استمرت فيه القبضة الديكتاتورية لثلاثين عاما، إلى أن انتفض الشعب مجددا وكسر كل القيود وتحرر من تلك التجربة.
إن الآمال والتحديات كثيرة الآن، لكني أرى أن تحدي إرساء العدل يأتي في المقدمة من أولويات الزمن السياسي الجديد الذي نتمنى أن تعقبه انتخابات حرة ونزيهة تكرس تولي بنات وأبناء الشعب ممن ينالون الثقة الشعبية، مقاليد الأمور، وأن يحافظوا على المسار الديمقراطي من أية اهتزازات أو عوامل سلبية قد تقلل من حصاد المنجزات السياسية لتجربة ثورة 19 ديسمبر من عام 2018 التي انتصرت في صباح الحادي عشر من أبريل من العام الحالي (2019).
بقلم: جمال عدوي

جمال عدوي