كتاب وأراء

مسارات في الصراع الاقتصادي بين بكين وواشنطن «2»

لقد بدأت الصين الشعبية في نشر نفوذها الاقتصادي والتجاري، عبر التّمدّد في آسيا، ثم في إفريقيا والعالم، بعد سياسات الانفتاح التي بدأت بها بعد رحيل مؤسسها (ماوتسي تونغ)، وعلى يد المُجدد في قيادة الدولة والحزب، ذاك الرجل قصير القامة، الذي يصفه البعض بالرجل الحديدي، الراحل (دنغ سياو بينغ) صاحب نظرية «الاشتراكية الصينية»، وذلك لتحقيق «مصالح الصين العليا، ولتوفير الموارد الطبيعية الضرورية لمواصلة نمو الاقتصاد وصعود الصيني»، فشاركت الصين في تأسيس واقامة التكتلات الدولية الاقتصادية، ونشطت في عمل المنظمات متعددة الأطراف مثل «منظمة شانغهاي للتعاون»، ومجموعة «بريكس» وقمة «أبيك»، ومجموعة العشرين.
إن سياسات الانفتاح الصيني، والتحوّل من «الاقتصاد المُخَطّط» إلى «اقتصاد السوق» أدّت عملياً إلى تعميق الفجوة الطبقية في الصين الشعبية «البلد الاشتراكي»، وإلى ارتفاع عدد الأثرياء على حساب المجموع العام للقوى العاملة الكادحة في المجتمع وبناها التحتية. وفي هذا الإطار، فقد نشر «اتحاد المصارف السويسرية» (يو بي إس) وشركة (بي. دبليو. سي) الاستشارية تقريرًا (26 /‏10 /‏2018) عن أثرى الأثرياء في العالم، ورد فيه أن مائتي شخص على مستوى العالم انضموا إلى قائمة المليارديرات سنة 2017، وحصل ثلث هؤلاء الأثرياء على ثرواتهم من خلال الابتكار (في مجال التكنولوجيا مثل بيل غيتس ومارك زوكربيرغ) في حين كسب الباقون ثرواتهم من خلال توسيع أنشطتهم في منطقة آسيا والمحيط الهادي، ارتفعت قيمة ثروات هؤلاء الأغنياء بنسبة 19 % سنة 2017، مقارنة بسنة 2016، أو ما يعادل 8.9 تريلون دولار، «بفضل» الارتفاع الكبير لثروات الأثرياء في الصين، والذي بلغت نسبته 39 % خلال سنة واحدة، وارتفع عدد مليارديرات الصين من 318 سنة 2017 إلى 373 منتصف سنة 2018، بثروة إجمالية تبلغ 1.12 تريليون دولار، وكان تقرير «هورون» (الذي يرصد ثروات أثرياء العالم) قد لاحظ منذ سنة 2015 على سبيل المثال، أن متوسط ثروة سبعين عضوا في مجلس الشعب (مجلس النواب الصيني) يتجاوز مليار دولار.
وعليه، فإن الخفوت الإعلامي العلني المؤقت للحرب التنافسية الضارية بين واشنطن وبكين، بشأن مسائل الاقتصاد والتجارة، يقابله تحركات عسكرية أميركية على الأرض في مناطق بحر الصين الجنوبي وجزيرة تايوان، حيث تسعى الولايات المتحدة لمواجهة الصين الشعبية باثارة القلاقل من حولها، والتنغيص عليها من خلال زيادة التعاون العسكري مع تايبيه. ولكن.. الحرب الاقتصادية تكون في بعض الأحيان أكثر قساوة من الحروب العسكرية المباشرة نظراً لآثارها على الحياة المعيشية لشعوب تلك البلدان المتنافسه.
وفي هذا الصدد، انخفضت مع نهاية الشهر الجاري أغسطس 2019، المؤشرات الأساسية في بورصة وول ستريت في نيويورك، بعد رفع قيمة الضرائب الجمركية المتبادلة بين واشنطن وبكين، وتصريحات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب.
فيما أعلنت الصين عن رفضها الرسوم الجمركية على البضائع الأميركية بمبلغ 75 مليار دولار، وهو ما دفع الرئيس دونالد ترامب للطلب من الشركات الأميركية، إلى وقف التعامل مع الصين والبحث عن بدائل تجارية. كما أعلن أنه يعتزم رفع الرسوم الجمركية مرة ثانية، على البضائع الصينية بمبلغ 250 مليار دولار، أي من 25 % إلى 30 %، بحلول شهر أكتوبر المقبل 2019.
إذاً، نحن أمام تصاعد في وتيرة الصراع الصيني الأميركي، الجاري تحت الرماد، وما يجري في هونغ كونغ ليس ببعيد عن مساراته.
بقلم: علي بدوان

علي بدوان